أقول لك «عدم المبالاة» فافهم عني فإني أريد أن تحفظ هذه الكلمة وتعيها من بوادي هذا الحب إلى تواليه إلى أعقابه،
5
إن عدم المبالاة يكون في بعض الأحيان وفي بعض الأمور هو كل ما تكلفنا به الطاقة البشرية من المبالاة ...
ثم تقول: إنما أنت مني في باب من أبواب الفكر فإياك لا تتسلط عليك حاسة من حواسك، فإن لهذه الحواس ضراوة السباع وكلبها؛
6
والعاطفة تجعل الإنسان أشكل بالملائكة والحاسة تجعله أقرب للشياطين، والحب كالخمر كلاهما نشوة وكلاهما دواء فلا تجاوز حد الطب فيما ترى ولا حد الشعر فيما تفهم، وإلا كنت كالمدمن لا يكفيه إلا ملء جوفه حرة وظمأ ومرضا وجنونا، وإذا هو ملأه توهم أنه يسع بحرا من الخمر، ولا يزال يطمع في الانتشاء، ولا يزال يسرف على نفسه حتى يذهب عقله وينكفئ، وما به قدره على شيء ولا على أن يتوهم شيئا، اجعل الحب تعللا ودع مكارهه في ناحية، وميز بين ما يجب أن يبقى خيالا وما يجوز أن يكون واقعا، فإن أردت أن تخرج من كل صورة في خيالك صورة من الواقع أشقيت نفسك، واستفرغت كل همك وقواك في باطل وعبث ليس مثلهما باطل ولا عبث، دع المعاني في ألفاظها إن لم تؤاتك الأسباب وعلل الأقدار على خلقها أعمالا فإنك إن داريتها ولم تجئك بالمسرة التي تريدها جاءتك بغيرها، وخرج منها على العلات شيء ما يكون منه أمر ما ... وكن في قوة عواطفك وإحكامها وضبطها كالمصارع الجبار الذي لا يوضع جنبه
7
فإنه كما تعلم تعرك بكل جهة من جهاته أنواعا من أقوى القوة ممثلة في أجسام من أعنف العنف؛ فصدره الذي لا يعطف وظهره الذي لا يضغط وأطرافه التي لا تهن ولا تكل، وكل لوح فيه إنما هو رجل تام الخلقة وثيق التركيب؛ لأن كل ما فيه قوة بالغة في قوة بالغة، ولأن الرجل لم يجتمع كذلك إلا من المكارة والغمرات التي خاضها وثبت عليها حتى كأنما خرج بها من وزن رجل إلى وزن جبل.
ثم تقول؛ دع الدماغ يحلم نائما أو منتبها، ولكن متى انعدل الليل راجعا إلى مآبه واستدار النصف المضيء من الكرة فلا تجعل حلم الرأس الذي هو أداة الخيال سببا في عذاب الحواس التي هي أدوات الواقع، واقطع من نفسك أسباب المطمعة الخيالية تجد كل شيء قارا في موضعه لا ينحرف ولا يضطرب ولا يتململ؛ وتذهب أحلام النوم في النوم، وتأتي حقائق اليقظة مع اليقظة وكنا في انتظارها فلا يفجأنا منها شيء، إنك ربما تأتي في أحلامك ما لا يسوغه عذر، وترى وتسمع ما لا وجود له، وتجد منزعا من أمور ليس فيها منزع، وتموج بك العوالم كلها وأنت ساكن في نومك مستثقل حتى على الحركة الضعيفة، وحسبك بعض هذا في الدلالة على أن الدماغ لا يسكن إلى نزواته عاقل؛ لأنه مصنع المستحيلات كما هو مصنع الممكنات. •••
آه يا عزيزي لو رأيت كيف تختلط المعاني بأنفاس شفتيها، وكيف تقبل عليك ألفاظها وفيها من اللطف واللين والرقة وألوان النفس أكثر مما في خدي عذراء سافرة بين عشاقها لا يفارقها الحياء من الألحاظ ولا تفارقها الألحاظ، إنها لتميت داء الصدر من الوساوس والشهوات إذا هي كلمتك بتلك اللغة القلبية التي تمحق حواسك محقا إن كنت رجلا كريم النفس، وإذا هي استسلمت بكلماتها إليك ولكن في حماية ضميرك، تسمعك صوت ضعفها ملتجئا إلى قوتك وكأنها تقول لك: إن نصف كلامي هو هذا والنصف الآخر هو ثقتي بشرفك.
في المرأة الجميلة أشياء كثيرة تقتل الرجل قتلا وتخلجه عن كل ما في دنياه كما تخلجه المنية عن الدنيا؛ وليس فيها شيء واحد ينقذه منها إذا أحبها، بل تأتيه الفتنة من كل ما يعلن وما يضمر ومن كل ما يرى وما يسمع، ومن كل ما يريد وما لا يريد؛ وتأتيه كالريح لو جهد جهده ما أمسك من مجراها ولا أرسل، ولكن في الرجل شيئا ينقذ المرأة منه وإن هلك بحبها وإن هدمت عيناها من حافاته وجوانبه فيه الرجولة إذا كان شهما، وفيه الضمير إذا كان شريفا، وفيه الدم إذا كان كريما، فوالذي نفسي بيده لا تعوذ المرأة بشيء من ذلك ساعة تجن عواطفه وينفر طائر حلمه من صدره إلا عاذت والله بمعاذ يحميها ويعصمها ويمد على طهارتها جناح ملك من الملائكة.