يا ظبية الوادي الذي نبت الهوى
بثراه بين الزهر والريحان
واديك من طول التدلل قد بدا
شبه القدود به على الأغصان
وكأن طيب نسيمه قد مس من
شفتيك موضع قبلة وأتاني
هو جنة كل النعيم بأرضها
إلا رضاك؛ فذاك من نيراني
دان وما يدنو؛ بعيد ما نأى
يا شد ما يضني البعيد الداني •••
أنا من علمت فتى كأن مهزه
في الروع مسنون الغرار يماني
كل الحوادث حمرهن وسودها
في صفحة الأيام من ألواني
نفسي من الملإ العلى وسجيتي
تأبى علي مذلة الإنسان
ولقد أراع إذا لحاظك لامست
قلبي كأني في هواك اثنان •••
ألحسن ألوان يمازج بعضها
بعضا لتصوير الهوى الفتان
وأرى الجوى والسحر والإيمان قد
مزجت فمنها هذه العينان
وآه لو رأيت عينيها أيها الصديق تغزلان غزل السحر خيوطا خيوطا تلتمع واحدا من شعاع الحرير في واحد من شعاع الشمس، آه لو يتبين لك مكتومها في بعض نظراتها الساجية الطويلة التي تغفل فيها عن كل حذر، وترسل فيها كل خواطر الحب، وتمدها إليك وكأنها تقول: خذ هذه النظرة وانظرني أنت بها لتطلع على ما في قلبي، ثم ترخيها بفتور لين كأنما تصارحك أنها سئمت مقاومة فكرها، وتريد أن تميل إلى صدرك ولو بلحظة من عينيها ... كل شيء فيها من نتائج فكرها إلا تلك النظرات فإنها وحدها نتائج قلبها.
تنكر علي أيها العزيز وصفي إياها بالفلسفة ونعتها بالذكاء النادر والشعر العجيب وتقول: «إن هذا من سحرها فيك، وإنها لو بلغت مبلغا مما وصفت أو دونه لتوكدت بينك وبينها علائق من تحت النفس ومن فوق القلب، ولكنك تصفها بما لا يتصور في وهم ولا يهجس في ظن إلا وهمك أنت وظنك أنت لأنك أنت ...».
فوالله ما كان أمرها على ما رجمت،
1
وإنها لأبلغ ذات لسان وأبرع ذات فكر وأروع ذات نفس؛ ولو كنا سليلي أبوة
2
ما شهدت لها بأكثر من هذا حرفا، ولو كان دمي من أعدائها ما نقصتها من هذا حرفا؛ وعلم الله ما أبغض فيها إلا هذه التي أشهد لها ... ولو أن الله مكنها من لغة كتابه الكريم لغص منها في هذا الشرق العربي كل كاتب وكاتبة غصة لا تساغ ولا تتنفس.
وإني لأكتب إليك رسائلي هذه والقلب ينفض في أضعافها
3
ما لو قرأته أورد عليك من أضواء المعاني في جمالها وحبها وأوصافها ما يملأ نهارا بين صبحه ومغربه يبدؤه بشمس ويختمه بقمر. •••
لقد كنت إذا جاش بي حبها وثار منه ثائره فحاولت أن تربط على قلبي وتثبت هذا الفؤاد القلق؛ جاءت بكلام نضر تنبت منه السلوة في الحب القفر الذي لا ينبت شيئا؛ وجعلت الملائكة تنزل في العش الذي بناه الشيطان لنفسه في القلب وعشش فيه؛ فلو أن كل حبيبة مثلها وكل محب مثلي لكان الحب تغييرا في الإنسانية، ولما احتاج الناس إلى قوانين وملوك، ولكن إلى حبيبات وإلى حب.
إن الرذيلة واحدة ويتعدد أهلها فمهما كثروا ألوفا وملايين فهم واحد في المعنى؛ إذ يتلو كل منهم تلو صاحبه ويقتاس به فكأنهم صور متكررة؛ لأنهم في الرتبة المنحطة كالنبات تخرج الحبة منه ألف حبة مثلها لا تمتاز واحدة من واحدة؛ ولكن كل من قام بفضيلة فهو فضيلة قائمة بنفسها، فمهما قل الفضلاء فهم كثيرون؛ لأنهم في الرتبة العليا ولأنهم وحدهم الناس، فلو صح الحب وأضاءه أهله وصبروا على ما يجز في الصدور منه وتوجروا العلاج المر
4
إلى ساعة الشفاء لكان كل متحابين عالما قائما من اثنين لإنشاء عالم لا يعد من صفات الفضائل وأنواعها.
كانت تقول لي: إن القلوب الضعيفة هي التي تصدأ في فكرة واحدة تلح عليها حتى تتأكل صدأ ثم تتفتت؛ فإذا حدثت عليها الحادثة انكسرت ولم تقم لها، وبقيت زمنا طويلا في الهموم حتى تتعب الحوادث والأقدار المختلفة في أيام تتصرم بعد أيام إلى أن تجمع حطام القلب قلبا متحطما.
ولكن القلوب القوية الصارمة ذات الصدور الجريئة الواسعة تكونها القوى المختلفة من العمل والفكر وعدم المبالاة على هيئة تجعلها مرنة في صلابة فهي تلتوي ولا تنكسر، وما أسرع ما ترجع كما كانت إذا لوتها الخيبة أو نجمت لها قاصمة من الحوادث التي هي مطارق القلوب لا تضرب إلا عليها ولا تحطم إلا فيها.