تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشعر وراء النفس والنفس وراء الطبيعة والطبيعة من ورائها الغيب؛ فلو جمع ما قيل في الشعر لرأيته يصلح في أكثر معانيه أن يقال في النفس، ثم لرأيته مفهوما من جهتنا وغير مفهوم من جهته، وما الشعر إلا أول المعاني المبهمة والدرجة الأولى من سلم السماء الذاهبة إلى عرش الله؛ وهو كذلك أول ما في الإنسان من الإنسانية.

في هذا الكون مادة عامة يسبح الكون فيها وتنبعث من قوة الله وإرادته وهي دائمة التركيب والتحليل إيجادا وفناء، وما أرى الشعر إلا تأثير هذه المادة في بعض النفوس العالية الكبيرة التي تصلح أن يسبح خيال الكون فيها.

بهذه المادة تمتزج نفس الشاعر بكل ما تراه؛ ومن هذا الامتزاج يتكون الشعر، فإذا أردت أن تتحقق ذلك فانظر إلى نفس الشاعر العظيم تمتزج بالجمال الرائع في نفس الجميلة، وبالحب في نفس الحبيبة، وبالطبيعة في المعنى الطبيعي؛ وانظر إليها حين تتصل بأسباب اللذات والآلام، حين تثيرها اللحظة والابتسامة، ويهيجها الصد والإعراض، ويحزنها المحزن ويسرها السار؛ حين تخترق بالفكر حجاب هذه الإنسانية وتثب بالعاطفة فوق الطباق العليا، وتستمد من الشعلة الأزلية لونا من ذلك الضرام الذي اشتعل في أصل الخلقة كل كوكب يتلهب. •••

ما أشقى نفس الشاعر؛ فإنها لسموها تجهل ما هي من هذا العالم فلا تزال تمتزج في أرضنا بكل ما يحزنها ويسرها لتعرف ما هي؛ ولن يكون الشعر العالي أبدا إلا التقاء بين نفس سامية وحقيقة سامية، ومن ثم كان الشاعر العظيم يحب ويبغض ويضحك ويبكي ويرضى ويغضب؛ ولا يحس من كل ذلك وما إليه إلا أن السماء تحكم من داخله على الأرض.

وعلة شقائه هي نفسها علة سروره بشعره وإن نثر هذا الشعر من عينيه بكاء ودموعا، وإن انفجر به أحزانا وآلاما قاتلة.

كل النوابغ لا يرضيهم إلا أن يرتفعوا فإن من كان له جناحان للطيران لا يسر إلا إذا طار؛ وما جناحا الطائر إلا كتابان من الله يملكه في أحدهما على الشرق وفي الآخر على الغرب؛ بيد أن الشاعر لا يرضيه أن يرتفع عن الأرض وحدها فإن خياله لا يقع إلا ساجدا عند عرش الله؛ وذلك سبب آخر من أسباب شقائه في الدنيا، فأيما شر مس كبرياء روحه وأمسك من جناحيها رأيت أثره في نفسه الرقيقة وكأنما صدمه الصدمة ترمي به من فوق السماء إلى الأرض في سقطة واحدة.

يا للعجائب أن سرور الشاعر الملهم سرور نفسه وحدها، ولكن حزنه حزن العالم كله. •••

قيل في أحد القديسين: إنه ما وجد السبيل إلى الكمال الإنساني الأعلى ولا استطاع أن يكمل حتى كانت له نفس شاعر عظيم في جسم فقير بائس محزون، فضرب الله بتلك النفس على هذا الجسم، وبهذا الجسم على تلك النفس واستضاء منهما القمر الإنساني في ليل حالك من سواد أحزانه وهمومه.

فواها لك يا شعر الشعراء؛ أنت النقص كله مع لذات الدنيا وأنت الكمال كله مع آلامها. «انتهى» •••

واستوعبت هذه الكلمة يا عزيزي في دفترها الجميل عشر صفحات، فعدتها واحدة واحدة ونظرت إلي أظرف ما رأيتها ثم شكرتني وقالت: آه ماذا قالت؟ لقد كنت أكتب وهي تدير فكرها في اختراع بديع لمكافأتي.

فكر أنت أيها الصديق، أحسبك تسمع الآن صوت النقد اللؤلؤي الثمين؛ صوت عشر قبلات.

كلا كلا لقد كذب عليك الحسن وكذب عليك القمر، قالت ... لم يبق إلا عشر دقائق ... وانفتلت ضاحكة ونهضت لا تلوي. •••

وملء شعاع هذا السيف قتل

وملء جمال هذا الحسن ذل

ولولا سطوة الأقدار فيما

يحب الناس كان الناس ملوا

فإن كثروا يقلوا كي يعودوا

كثارا، ثم إن كثروا يقلو

مسائل ما لها حل ولكن

إذا نسيت ففي النسيان حل

وسأنسى يا عزيزي سأنسى

| الرسالة الثامنة

وادي هواك كأن مطلع شمسه

يلقي على يأسي شعاع أماني

وكأن هذا البدر في ظلمائه

يد راحم مسحت على أحزاني

وكأن أنجم أفقه في ليلها

ذكرى وعودك لحن في نسياني

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحب · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحبص ١٩