تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

مسيرة ميل، وإن بعض الحيوان يحمل إليه الهواء رائحة ما يخشاه أو يحبه فكيف لا تحمل إلي ألفاظك عطر خديك وشفتيك فتستحيل ألفاظي كلها قبلات؟ إن السائل المسكين حين يدعو لمن يحسن إليه يقبل يده بألفاظ الدعاء؛ لأن كلماته لا ترتفع إلى السماء إلا بعد أن تمس هذه اليد الكريمة المحسنة من كل لفظة دعاء بقبلة شكر؛ والمحب حين ينظر في وجه من يهوى نظرات كالألفاظ وحين يتكلم بألفاظ كالنظرات ... وهنا لمست كتفي وانتهضت وقد أشارت إلى زهرة حمراء كوجه المستحيي ثم مشت إليها فاقتطفتها ورجعت؛ فعملت أن الكلام كان سقطة منى فتداركته وأردت أن أقلبه عن جهته، ولكنها تنهدت ثم قالت: ما أحببتك شخصا بل شعرا ولا إنسانا بل فكرا، ولولا أسباب القدر التي باعدت ذات بيننا ... وأخذ كلامها يرق ثم يرق حتى خرج من معانيه كلام لا يتلقى إلا بالشفاه، وخيل إلي أن نسيم الروضة يرتمي عليها ليتخطف تنهدها فجعلت أتخطف هذا النسيم وكأني لا أتنفسه، بل أشربه شربا. •••

في تلك الساعة ذكرت هي الشعر وقالت: إنه يخرجنا الآن من حدود العمر الأرضي؛ فإن في هذا العمر ساعات لا تحسب منه إما لأنها أبدع وأجمل فلا يلائمها، وإما لأنها أقبح وأسخف فلا تلائمه؛ أفتراها أقبح وأسخف ...؟ قلت: يا شاعرتي العزيزة إن اللغة أيضا تخرج من حدود الأرض أحيانا فهي في مثل هذه الساعة في مثل هذه الروضة في مثل هذه الجميلة لا تؤدي إلا معنى الجمال والحب، أما الأقبح والأسخف فلا يدخلان هنا إلا بعد أن نخرج نحن ويدخل غيرنا ...

قالت: يا لك من «عقل جميل» كما يسمي الفرنسيون ظرفاءهم، ثم تناولت من المثبنة

6

في يدها أنبوب قلمها الرصاصي المصنوع من الذهب وأخرجت دفترا صغيرا، وغمست سن القلم في ثناياها وفكرت لحظة ثم غمسته ثانية، ثم كتبت في طرة الصفحة هذه الكلمة «الشعر»، ونظرت إلي باسمة وقالت: خذ هذا القلم واكتب كلمة صغيرة في الشعر؛ لأنقلها إلى الفرنسية في مقالة لي ...

آه لو أن الكهرباء اجتذبت القلم من يدها ما كانت أسرع مني في اختطافه، وجعلت أغمسه في شفتي مرة بعد مرة بعد مرة ولا اكتب شيئا، وهي تضحك وتقول: ما لك لا تكتب؟ فأقول: هكذا اعتدت في المدرسة وكنت بليدا ...

ثم كتبت ولكن بعد أن خالط فمي طعم الرصاص من كثرة ما غمست القلم ... وكتبت وأنا أشعر بأنفاسها وعطرها ومعاني لحظها يتحولن في نفسي إلى كلمات:

ما هي العاطفة المهتاجة في نفس الإنسان اهتياجا لا يريه الحياة أبدا إلا أكبر أو أصغر مما هي؟

ما هو المعنى الساحر الذي يأتي من القلب والفكر معا، ثم لا يأتي إلا ليحدث شيئا من الخلق في هذه الطبيعة؟

ما هو ذلك الأثر الإلهي الكامن في بعض النفوس مستكنا يتوثب بها، ويحاول دائما أن يعلو إلى السماء؛ لأنه غريب في الأرض؟

وما هو الشعر؟

هذه الأسئلة الأربعة يختلف بعضها عن بعض وينزع كل منها إلى منزع، ولا جواب عليها بالتعيين والتحديد في عالم الحس؛ لأن مردها إلى النفس والنفس تعرف ولا تنطق؛ وشعورها إدراك مخبوء فيها وهي نفسها مخبوءة عنا، ولكن العجيب أن كل سؤال من هذه الأربعة هو جواب للثلاثة الباقيات؛ فالعاطفة هي ذلك المعنى وهي ذلك الأثر وهي الشعر، والشعر هو العاطفة بعينها، وهو الأثر وهو المعنى؛ وهلم جرا. •••

سبحانك يا من لا يقال لغيره سبحانك، خلقت الإنسان سؤالا عن نفسه وخلقت نفسه سؤالا عنه وخلقت الاثنين سؤالا عنك، وما دام هذا الإنسان لا يحيط به إلا المجهول فلا يحيط به من كل جهة إلا سؤال من الأسئلة؛ ولا عجب إذن أن يكون له من بعض المسائل جواب عن بعضها.

هذه هي الطريقة الإلهية في دقائق الأمور، تجيب الإنسان الضعيف عن سؤال بسؤال آخر.

ولقد أكثروا في تعريف الشعر وجاءوا فيه بكل ألوان القول، ولكن كثرة الأجوبة جعلته كأنه لا جواب عليه، بالغوا في تقريبه إلى الروح فأجروا في حده كل عناصر الجمال والفضيلة ودلوا بالخيال على حقيقته؛ إذ رأوا أنه لا يدل على حقيقته إلا الروح وحدها وهي غامضة فهو غامض وتفسيره في مئة تفسير.

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحب · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحبص ١٨