تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا هو رأيها ولكن لا تنس أنه رأيها الفلسفي ... وأنه لن يكون لها رأيا إلا إذا كان لها بديا

10

فلسفة قد جعلت من طباعها «جمود إحساس الكتب»؛ وههنا المصيبة فإنها إن عمدت إلى غيظك اختبأت نفسها في كتبها وأوراقها، ورأت هذه الكتب والأوراق دنيا غير الدنيا لها أشخاص غير الأشخاص، أما بين الكتب والأوراق فهي تحمل في رأسها السموات السبع والأرض فكيف تشعر بك إذا أنت وحدك وقعت من السموات السبع والأرض ...؟

ولكن هل أنت إلا أنت وحدك؟

| الرسالة السابعة

نالت مني رسالتك يا عزيزي وما كنت ظالما ولقد ظلمت، جاءتني سطورك جملا جملا فانصبت على قلبي انصبابا فغشيته من حروفها بموج أسود كالظلم، لك الله أن تحسبني هالكا وتقول: إن روحي محمومة بتلك الفتاة، وإني في حاجة منك إلى علاج مر؛ إلى بضع نصائح من الكينا ...

فأما إني محموم بها فلا وما أبعدت؛ ولكن هي كانت أشبه بالهذيان في الحب، وإن الدهر ليحم مرارا عدة متى ركبته الأقدار الملتهبة؛ فإذا هو حم جاء من هذيانه نابغة يهذي في رجل أو امرأة، وكان من علامة نبوغ تلك الفتاة أن فيها من برد الدنيا وسخونتها ... فيها والله برد شديد ويكفي أنه برد الفلسفة ...

قالوا: جلت الحقيقة أن تكون البشرية محلا لتلقيها؛ وأقول: جلت مرة أخرى أن تكون المرأة هي هذا المحل؛ فما للمرأة الجميلة والفلسفة؟ أللهم لا تبتل بها من النساء إلا كل ذات وجه غضن

1

لا يضره ولا يضر أحدا أن تزيد فيه كربه أو عقدة أو مسألة حسابية ...

ولكن ما أجمل الحقيقة ترسل أشعتها وألوانها في قلب الجميلة فتمتهد لها فيه أرضا من الشعاع، ثم تهبط من السماء الكبرى إلى هذه السماء الصغرى جمالا في جمال وحقيقة على حقيقة وشعرا على شعر، ومعنى يوحى به إلى من هي تفسير له، تلك حقيقة الجمال الذي لا يفهم إلا بمثال عليه من امرأة؛ وإن من النساء تفسيرا بديعا لهذه الحقيقة، ومنهن تفسير ناقص، وبعضهن مغالطة في التفسير، وبعضهن مسخ، وبعضهن كالتضريب والشطب لا يفسر شيئا ولا يصحح شيئا، ولكن يمحو ويطمس ... •••

سآتيك بها الآن من جهة الشعر وقد وصلت جناحها بجناحي بعد مقدمها إلى مصر بأيام وخرجنا متنديين

2

ذات صباح في طريق تبعثرت فيه الشمس على الندى وعلينا، كانت هي صبحا في ذلك الصبح، وقد وافت كعادتها متكسرة وللفتور مس فيها؛ فتورها النسائي

3

البديع الذي ينبئك في لطف أي لطف أن عواطفها تبعدك عنها، ولكن بشرط أن لا تبتعد؛ فتور في الجسم تظهره الأنوثة التي نراها لنطلع منه على سر الأنوثة التي لا نراها، وفتور في اللحظات تدل به على أن في قلبها منك شيئا تحب أن لا يظهر لك وتحب كذلك أن لا يخفى عليك ...

ومشينا بين الجمال المنظور وبين الجمال المعقول وهي تجمعهما في شخصها ومعانيها، على حين أن الطبيعة لا تكاد ترضيك من هذه الجهة إلا إذا عرضت لك ألف شيء جميل، ثم فئنا إلى روضة على شاطئ النيل يسافر النظر في أرجائها وتتموج للعين كأنها بحر أخضر تهتز عليه هنا وهناك أمواج ملونة من الزهر.

وقلت فلأكن آدم هذه الجنة اليوم، قالت: ثم تخرج منها كما خرج ... قلت: فإن الخروج لا يأزف إلا عند غروب الشمس «كقانون المجلس البلدي» ... فضحكت وحضرتها النفس الثالثة

4

ثم مدت عينيها الذابلتين في شواطئ ذلك البحر الأخضر وقالت: ألا تظن يا آدم الصغير أن إدراك الجمال الطبيعي في الأرض هو بقية فينا من نفسية آدم الكبير لدن كان في السماء وقد ورثناها عنه، قلت: لا أظن ظنا بل أنا مستيقن فإننا طردنا من الجنة ولكنا استرقنا منها قدر ما وسع خيالنا؛ فإدراك الجمال في أي أشكاله وبأي طرقه إنما هو متاع الروح الإنسانية على طريقها الأولى في عهدها الأول، إن هذا الجمال لم يخلق إلا للحس والتخيل فهو كلام بين السماء وباطن الإنسان، قالت: فأنت الساعة تكلمك السماء؟ قلت وتقول لي ... قالت: يا وحي ماذا تقول لك السماء؟ قلت: فإنها تقول ما لك منصرفا عني بملك من ملائكتي ونسيت حتى الشمس فلم تنظر إليها، قالت: وجوابك؟ قلت: جوابي هو أن بعض الأسرار الإلهية يبحث في العلم عنها، وبعضها يكون من الجلال والإشراق والسمو بحيث يبحث فيها هي عن العلم؛ فالسر الكامن في هاتين العينين وفي هذا التكوين وفي هذه الطلعة هو الذي أبحث فيه عن علم قلبي، قالت: أنت شاعر يعد قلبك شيئا عجيبا، وكثيرا ما أحاول الابتعاد عن ألفاظك، قلت: ولمه؟ أيكون فيها أحيانا صوت شفة يمسك؟ فسكتت وجعلت تنكت الأرض، ومضيت أقول: إن الجمل يستروح الماء

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحب · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحبص ١٧