6
اختبطت في مثل البحر اللجي ففرت إلى الساحل ورقصت هناك على رشاش الموج، وهي تألم لذلك النقص فيها وما أظرف ما تراه في سببه؛ إذ تقول: إن المصري والسوري ومن يشبههما قد بلغوا من ضعف القومية التاريخية بحيث يريد أكثرهم الكمال لشخصه لا لتاريخه، ولنفسه لا لأمته؛ فينسل أحدهم من تاريخه ويغامر في آداب أمة حية كالفرنسية والإنجليزية، ويستفرغ فيها كل همه فيدرك في خمس سنوات ما لا يأتيه به التاريخ المصري أو السوري في خمسين سنة لو بقي في أمته وادعا يترقب نضج تاريخها، والشرقي إذا خرج من الشرق أحس أنه ترك وراءه بلاد القبور والمدافن والجثث المحنطة، واستقبل بلادا أصبحت الطبيعة فيها أسرع من أهلها في العمل للحياة والأحياء فهم يخدمون نواميس الكون لتخدمهم على الأرض لا في السماء، وكانت إذا انتهت إلى مثل هذا قلت لها: إنك لتتكلفين أن تجعلي للانهاية حدودا أربعة ... بل أربعة ذات قياس ومساحة وإلا فابتلي أوروبا بمثل ما بلي الشرق منها أربعين سنة في جد السياسة وهزلها فإنك والله لا ترين منهم يومئذ إلا الزنوج البيض ... وكانت تقول ما أعجزني في أجناس الكتب إلا كتب اللغة العربية؛ لقد أحضرت شيخا يدارسني كتابا منها فكانا كتابين ... الذي أراه هو الذي أسمعه والذي أسمعه هو الذي أراه، ثم تغرق في الضحك وتقول في كلام ظريف كأنه يضحك ضحكا آخر: فأنا والله في حاجة لإتقان هذه اللغة إلى عمامة وعشرين سنة في الأزهر ... •••
قلت لك: إنها شاعرة تملأ سماء من السموات فتكاد لا ترى فيها من جهات الأرض شيئا
7
كأنما تركت المادة الإنسانية في أبويها وخرجت من ذلك الحطب والورق ... مخرج الزهرة الناعمة، بنية من اللون وجسما من العطر ونسيجا متماسكا من الشعاع، خرجت عاطفة مولودة تكبر وتنمو لتبلغ في العواطف سن شباب القلب؛ لا يتصل بروحها شيء إلا نبت واخضر ثم نور وأزهر
8
كأن طبيعة الجمال خبأت في قلبها سر الربيع، وهي الصافية كرقة النسيم والناعمة كملمس الماء والضاحية كطلعة الشمس؛ فإن غضبت بدلت النسيم قيظا والماء ظمأ والشمس الطالعة غيما يلف نهار الحب في ملاءة ليل أسود.
ولا يستخرج عجبها شيء كما يعجبها الكلام المفتن المشرق المضيء بروح الشعر فهو حلاها وجواهرها، وما لسوق حبها من دنانير غير المعاني الذهبية فإنها لا تبايعك صفقة يد بيد، ولكن خفقة قلب على قلب.
وما عسى أن أقول في فلسفتها واهتدائها إلى موضع السر من الأشياء ونزولها وراء الحجة إلى الأعماق البعيدة التي تغوص الحجة فيها واستبانة المشكل باللمح، وتقليب المعاني في أصابعها كأنها ملقنة ما تحاوله؛ وأخذها في سبيل البرهان حين تجادل مأخذا لا يقام له، وإظهار خيالها البديع في معان لامعة كأنما تتدلى عليها الشمس، فلو كنا نقول بالرجعة
9
لقلت: إن (أرسطو) قد رجع بفكره الجبار إلى هذه الدنيا ليمارس حياة الأنوثة ويتم امرأة كما تم من قبل رجلا فينتظم كمال الجنسين في نفسه.
على أن فلسفتها هذه قد جعلت من بعض قواها ذلك الجمود الذي تستعين به على الحب «جمود إحساس الكتب ...» حتى ملأت نفسي بمثل البحر ملحا ومرارة.
الجمال هبة الله فليس لامرأة فيه عمل، ولكن العجيب أن أكثر ما يكون من عمل المرأة إنما يكون في إفساد هذه الموهبة كأن الجمال غريب حتى عن صاحبته، تفسدها بالجهل إذا كانت جاهلة، وتفسدها بالعلم إذا كانت عالمة، وتفسدها بلا شيء إن كانت هي لا شيء ... •••
على أنها كانت تزعم أنها تبغض الفلسفة وأهلها وتقول: ينبغي أن تتحول الفلسفة إلى شعر كالتراب نعالجه ليستوي مخضرا فإذا هو لم ينبت فاردم به المستنقعات واملأ منه الحفر وافتح فيه القبور، والفلسفة وإن كانت من ضرورات الحياة والأحياء ولكنها عند بعض الناس أعجب شيء، وعند آخرين شيء عجيب، وعند الشعراء لا شيء عجيب ... أعرف العلم والمنطق ولكن الطباع غير العقول فمن كان في سن العقل استطاع أن يحمل في فلك رأسه السموات السبع والأرض ومن فيهن وذلك هو الفيلسوف في سمته وهيبته ووقاره كأن فيه مكتبة كبيرة أو كأن فيه ثقلا خاصا ...؛ ومن كان في سن الطبع فلا يعرف إلا ما يميل إليه طبعه، فإن يكن هناك منطق وعلم فهما في كيفية إيجاد الميل في نفسه، ثم في استخراج اللذاذة الروحية لنفسه من هذا الميل، ثم في تهيئة الاستمتاع من هذه الروحانية بكل ما فيها لكل ما فيه.