تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما إنها فتنة خلقت امرأة فإذا نظرت إليك نظرتها الفاترة فإنما تقول لقلبك إذا لم تأت إلي فأنا آتية إليك؛ خلقت مقدرة تقديرا كأن كل شيء فيها وضع قبل خلقه في ميزان الجمال ووزن هناك بأهواء القلوب ومحابها، وكأنها بعد أن تم تكوينها أرسلت الملائكة في دمها نقطة عطر فهي تنفح على القلوب برائحة الجنة، وهي أبدا تشعر أن في دمها شيئا لا يوصف ولا يسمى، ولكنه يجذب ويفتن فلا نراها إلا على حالة من هذين حتى ليظنها كل من حادثها أنها تحبه وما بها إلا أنها تفتنه.

رشيقة جذابة تأخذك أخذ السحر؛ لأن عطر قلبها ينفذ إلى قلبك من الهواء؛ فإذا تنفست أمامها فقد عشقتها.

وتراها ساكنة وادعة أمام عينيك، ولكن قلبك يشعر أنها تهتز فيه وتضطرب فلا يزال قلقا نافرا يتململ.

أما أنوثتها فأسلوب في الجمال على حدة؛ فإذا لقيتها لا تلبث أن ترى عينيك تبحثان في عينيها عن سر هذا الأسلوب البديع فلا تعثر فيهما بالسر ولكن بالحب، وإذا كنت ذكيا فأضافت إلى ما فيها من بواعث الهوى إعجابها بك فقد أحكمت لك العقدة التي لا حل لها.

ومهما تكن من رجل باذخ فإنك بإزائها ترى كيف ينقاد جزء من الطبيعة لجزء من الطبيعة فلا براءة لك ولا مخرج من حبها؛ ومهما تكن من جبل شامخ فإنك تتهافت تحت أشعة عينيها كما تتدحرج جبال الثلج في القطب إذا زاحها عما حولها شعاع رقيق من أشعة الشمس تتنهد فيه نسمة ضعيفة.

وهي في لونها ذات بياض أسمر محمر وضيء يغترق العين حسنا، وكأن ائتلاف الألوان الثلاثة فيها جملة مركبة من لغة النور والهواء والحرارة، معناها الجمال القوي الصحيح، هيفاء ملتفة لم يهبط جسمها ولم يرب

3

تملأ قلبك كما تملأ ثوبها، وتتمايل أعطافها فلو خلق غصن البان امرأة لمشى يتهادى في مثل مشيتها، وتنظر نظرة الغزال المذعور ألهم أنه جميل ظريف فلا يزال مستوفزا يتوجس

4

في كل حركة صائدا يطلبه ... وتنفجر لعينيك في حركاتها وكلماتها كما يتفجر أمام الظمآن ينبوع الماء العذب، وما رأيتها مرة إلا أحسست نفسي تصورها تصويرا كأن الشمس والقمر قد صنعاها في الحسن صنعة جديدة، وتنتحل هذه الظبية أحيانا كبرياء الأسد فيكون ذلك منها في باب الدلال مخاشنة بين طبعي وطبعها تبث بها في الحب قوة تبلغ قوة الافتراس في أسد جريح.

تريد الهوى وتعرفه وتنفخ في ناره وتذكي ضرامها بما لا يخمد ولا ينطفئ، ولكن ... ولكن لترى من كل ذلك كيف أحترق.

تلك هي أيها العزيز؛ من أي الجهات اعتبرتها لا ترى أوصافها تنتهي إلا كما تنتهي أطراف الواحة الخضراء في رمال كالأقيانوس الجاف تقحمك المتالف،

5

وتبث لك مصايد الموت في كل جهة، ولا يخرجك منها إلا أن يكون عمرك أوسع منها؛ ومع ذلك فلا تخرج إلا حيا نصفه موت أو ميتا نصفه حياة، إن عاشقها المسكين في كل ما يناله من حبها ليمشي إلى الجدب بخطوات خضر تعد عليه واحدة واحدة؛ فههنا نبع يروي وهناك روضة تتنفس، وثم سرحة تفيء بظلها؛ وما شئت من متاع أحسن ما تنظر، ومن روح أجمل ما تبتغي، ومن نعمة أبدع ما تتحفى بك النعمة؛ ثم تنتهي من الواحة؛ لأنك كنت تندفع ولا تحس ويسار بك ولا تدري؛ وتنتهي بعد الفضاء الجميل الأخضر إلى ذلك الفضاء المخيف الأبيض بياض عظام الموتى ... فضاء الصحراء المهلكة التي تقول لك أول ما تتلقاك: ليس من يحس بك ههنا فحيث شئت فمت ...

كانت والله قدرا مقدورا لو علمت كيف تنتهي لاتقيت كيف بدأت، ولكني جئتها وأنا أقدر أن أراها كما هي وأدعها كما هي، فإذا القدر مخبوء فيها، وإذا هو قد طلع علي في ألحاظها، وإذا أنا أراها فلا أدعها، وكان طريقي إليها بين رؤيتها وتركها، أبدأ وأعود؛ فلما تخطيت أولها لم أر لها آخرا، ولما بدأت عدلت بي إلى الناحية التي كنت أجهلها فلم أدر كيف أعود. •••

وهي شاعرة تغمر أفقا واسعا بأشعة خيالها، ولو أن نجمة سألت الله أن يخلقها امرأة فتنزل على الشعراء بوحي السماء وخيال السماء وأسرار السماء لكانتها، غير أنها لا تحسن عربية الكتابة الفصحى فإذا كتبت وقليلا ما تكتب

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحب · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحبص ١٥