جمعت لنا مرآتها إجمالها
واها لمرآة البخيلة لو رثت
يوما فأهدت في الجفاء خيالها
تلألأ الضحكت في جنباتها
فتخال ضوء الشمس هز صقالها
1
من ثغرها؛ من منبع النور الذي
نبعت به ضحكاتها فأسالها
تتنقل اللحظات في أنحائها
قتالها مستتبع قتالها
جرحت بها وبهدبها وكذا الهوى
أبدا يعد من السيوف ظلالها
حورية شهدت لها جنيتها
وجمال عينيها شهادتها لها
وكأنما المرآة من أفق السما
وكأنها ملك يلوح خلالها •••
وقفت لها يوما فألقت نظرة
حيرى تشابه وعدها ومطالها
نظرت بلحظ نافذ لو أنه
لقي الإرادة نفسها لاغتالها
نظرات حواء التي أوهت بها
عزمات آدم يوم ضل ضلالها
فرأت على المرآة وجها، ظنه
ملك الجمال يحاول استقبالها
راع المليحة منه فرط جماله
أم راعها أن لا يكون جمالها؟
فرت بنظرتها إليه تطيلها
ورنا بنظرته لها فأطالها
لحظان لو رجفا عليك تراجفت
كرة الفؤاد فزلزلت زلزالها •••
نظرت لها حسنا إذا ما احتل في
دول النهى سلب النهى استقلالها
ورأت لسحر جفونها ما راعها
ورأت لفتك لحاظها ما هالها
فتذكرت شمس الجمال متيما
تركته من فرط النحول «هلالها»
ما زال يشكو «الصد» حتى بغضت
في نفسه «صاد» الحروف «ودالها»
ورأت صفا المرآة يشبه قلبه
مهما تحمله يكن حمالها
فتنهدت أسفا عليه وأنشأت
عبرات رحمتها تجول مجالها
جزعت له يعنى العناية كلها
وترية كل ثوابه إهمالها
حالان خيرهما وشرهما سوى
ومن المنافع ما يجر وبالها
جهد المقامر أن يحاول حيلة
ولكم أضرت حيلة محتالها
والعمر آمال وما جلب الشقا
إلا ابتغاء الطامعين محالها
إن الذي أعطى النفوس عقولها
جعل القناعة للنفوس عقالها •••
جرت الخواطر بالمليحة لحظة
شغلت بأحزان المتيم بالها
فبدا عليها بعض ما قد ناله
وبدا على المرآة ما قد نالها
ورأت لها وجها تغشاه الأسى
والحسن قد منع الأسى أمثالها
كادت القول «رضيت عنه» فأمسكت
ومضت على عجل لتخفي حالها
أواه لو مرآتها نجحت ... ولو
فمها تبسم عند ذاك «وقالها»
| الرسالة الرابعة
ما أحلاه كلاما وأنداه على كبدي هذا الذي تقوله في كتابك: «لو كانت تلك الفتاة الساحرة شجرة يابسة قد تحاتت،
1
وكان النساء كلهن شجرا أخضر لأورقت عليك وأثمرت، فإن فيك وفيها القوة والسبب، ومن مثل هذه القوة وهذا السبب تخرج معجزات الحب»، آه لو صح ذلك، إن بعض الرجال يكون في صفاته كذبا على الرجال فهذه والله كذب على النساء، ولو جاز لقلت: إنها ولدت خطأ في هذا الجلد؛ بل ما وضعها الله فيه إلا لعلمه بها، وليجعل منها علما لمن شاء أن يدرس بروح الرجل المحب أو المبغض جمالا شاذا في روح امرأة تحتمل الحب والبغض معا، لم يكن في وفيها القوة والسبب بل القوة والقوة، وما كنا إلا كدولتين متحالفتين تمنع قوتهما أن تعتدي واحدة على واحدة، ويشق ذلك عليهما فتعبران عن لفظ القوة بلفظ أرق وأجمل وهو المحالفة؛ ثم يرق هذا اللفظ فتخرج منه الصداقة، ثم ترق هذه فيجيء منها الحب، ولا حب هناك ولا صداقة ولا محالفة، بل هي أساليب سياسية في لغة القوة حين تخشى وحين تطمع.
لقد أذكرتني بالشجرة اليابسة يوما جميلا وكلاما أجمل منه فإنا باعث به إليك، وإن كان قد بعد به العهد؛ إذ وقع أول معرفتي بها في قرية ... بلبنان، هناك زهر أصفر يلوح للعين كوجوه الدنانير يسمونه «الوزال» وهو طيب الرائحة، ولكنه خبيث النبتة لا يكون إلا في مثل الرماح من الشوك، وكان لها ولع شديد بهذا الزهر لطبع من أشواكها وأشواكه فقد نلت من كليهما ... وسنحت لها على زهرة منه فراسة زاهية مصبوغة فوثبت إليها واشتدت وراءها، وكانت الفراشة تفوتها وتستطرد لها، وتعبث بها عبثا بين أن تلوح وتختبئ، ثم رجعت «الفراشة الكبيرة» بعدما انقطعت وقد تزاحمت الأنفاس على صدرها، وجعل قلبها يغيظني بدقاته غيظا شديدا؛ إذ كان يخفق من البهر والإعياء لا من شيء آخر ... وتساقطت تحت شجرة من التين فلما أراحت وثابت إليها نفسها قالت: فراشة لا تبلغ عقدة إصبع من ثوبي وتعنيني هذا العناء كله ثم أرتد عنها خائبة؟ قلت: بل خائبة خيبة المفلس يعدو يومه وراء «الدينار الطائر» فلا يدركه، فاجتذبتها إلي كلمة «الدينار الطائر»، ومن خصائصها أنها لا تعجب بشيء إعجابها بدقة التعبير الشعري، وسأستوفي لك هذا في رسالة أخرى، إنها تريد أن تجمع إلى صفاء وجهها وإشراق خديها وخلابتها وسحرها؛ صفاء اللفظ وإشراق المعنى وحسن المعرض، وجمال العبارة، وهذا هو الحب عندها؛ تحبك كما تحب كلمة تكتبها أو معنى تتخيله، فإذا سئمتك لم تكن عندها إلا الثالثة ... إلا صحيفة تمزقها ... •••