تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورفعت رأسها إلى الخيمة الخضراء ثم قالت: هذه شجرة تين، قلت: وماذا في أنها شجرة تين؟ قالت: ألا تعرف تينة الإنجيل؟ قلت: وإن في الإنجيل لتينة ليست كغيرها؟ قالت: كان من خبرها

2

أن المسيح مر في جماعته وهو جائع فرآها من بعيد فينانة خضراء تهتز كأنها تدعوه ولم يكن إبان هذه الفاكهة؛ فعدل إليها لعله يجد فيها شيئا يطعمه فلم يجد غير ورقها الذي لا يؤكل، فقال لها: خسئت لا يأكلن منك أحد ثمرا بعد اليوم، وانحدروا إلى أورشليم؛ ولما أصبحوا انقلبوا فمروا بشجرة التين فإذا هي خاوية قد نزعت ثوب نضرتها والتفت في كفن من اليبس وماتت واقفة، فرماها بطرس بعينيه وقال: انظر يا سيد إن هذه التينة التي مردت عليك فلعنتها قد ماتت وثراها حي بعد.

قلت: هذه لعمري هي المعجزة، تموت الشجرة وثراها حي، وتجري اللعنة في أعوادها فتتشرب ماءها وتتركها يبسا لا تصلح إلا للحريق، وتنقلب الشجرة الخضراء في ليلة من خشب الله إلى خشب الناس، ولكن ما ذنب الشجرة المسكينة إذا لم يكن موعد فاكهتها ويريدها المسيح على غير طبيعتها؟ قالت: فإن الذنب في إخضرارها كأنها ذات ثمر، قلت: أوليس للثمر وقت قد مضى وهل الشجرة إلا شجرة؟ أم تحسبينها تدير الشمس وتقلب الفصول لتعقد الماء ثمرا حلوا؟ ألا إن الشمس تدور ثم يحين الفصل ثم ينعقد الماء ثم يحلو التين فينضج فيؤكل، قالت: إنك لتجيء بالدواهي فماذا تقول أنت؟

أقول: اعلمي أن فيلسوفا يونانيا كان قبل المسيح،

3

وكان يرى أن تلك الشجرة ومثلها مما سفل وعلا من قدم الكون إلى ذؤابته إنما هي الإرادة البشرية بعينها إلا أنها لم تكتمل لعلة ما، فكأن العالم عند هذا الفيلسوف إنسان غير سوي ذهب طوله في عرضه فلم يعرف شيء من شيء، وكأن الإنسان هو العالم الذي نما وتم، فالشجرة إن لم تكن من الإرادة كما يقول هذا الفيلسوف فهي من الحياة، وقد التقى منها ومن المسيح إنسان حي وشيء حي؛ والتقيا على خلاف انقلبت فيه إلى حياة ذات إرادة، وإرادة ذات كبرياء، وكبرياء في رعونة يختال بها جذع خشبي غائر في الأرض على جذع روحاني باسق في السماء؛ وتتيه عشبة الطين على زهرة الفلك الأعلى، والكبرياء كانت من شرها أول ما تمرد به الشيطان على الله،

4

وأول ما لعن الله به الشيطان، وحسبها من الشر أنها ذهبت بجميع حسنات شيخ الملائكة (كان

5 ...) فهوى بعدها من لعنة الله في أعماق لا تنتهي، ولا يزال فيها طائرا إلى أسفل ... وما برحت هذه الكبرياء ثقيلة على الأرواح الصافية الكريمة ولو كانت ممن تحق له، ولو كانت من شجرة تحييها الشمس ويقوم على حفظها ناموس الكون، والمسيح لم يفر إلى ظلها من حر بل إلى ثمرها من جوع؛ فلما أتاها بجوعه تلقته بزهوها، قال لها بلسان قلبه العظيم: هأناذا، فقالت له: وهأناذه أخرى غير التي تريد، ظل جائعا وظلت خضراء تتموج لعينيه شبعا وريا ما تستحي ولا تتواضع بجفاف ورقة منها تسقط عذرا عند قدميه، كانت في غير حالته القائمة بروحه، وكان في غير حالتها القائمة بروحها؛ فكل ذنبها في روحه هو وفي حالته هو وفي حسه هو؛ فاشمأز منها فيبست ولعنها فماتت ورآها ظلاما فأطفأ سنتها إلى الأبد، هكذا يفعل الروح الأقوى بالروح الأضعف حين يختلفان، والمتكبر دائما هو الأضعف وإن ظهر أنه الأقوى؛ فلو صدمته روح عاتية بما فيها من بغضه وازدرائه لوقعت منه موقع أظلاف الفيل من النملة الضعيفة؛ فإن فوق كبرياء المخلوق ناموسا ثابتا من كبرياء الخالق ما لجأ إليه مكسور القلب بكاسر قلبه إلا وضعه والله ثمت موضع حبة القمح تحت حجر الطاحون الضخم لا يبقي ولا يذر. •••

وكنت اتكلم وكأني مرتفق تحت جناح جبريل كما قلت وإن الكلام لينفذ إلى دمها مع أنفاسها؛ فما أتيت على آخره حتى رأيتها قد اصفرت وارتاعت وقالت: ويلي منك فهل أنت مسيح جديد؟ إني لأسمع ألفاظك هذه وكأني أسمعها من يوم بعيد لم يأت بعد ولكنه آت؛ لأنه يتكلم ويقول بكلامه أنا موجود وإن كنت بعيدا عنك، فأردت أن أخفف عنها فرفعت طرفي إلى خيمتنا وقلت: اسمعي يا شجرة التين ... فانفجرت ضاحكة وقالت كم قلت لي أنت دويهية، وزعمت أن هذا يسمونه تصغير التعظيم فأنت دويهتان، فضحكت وقلت: أولست معي ...

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحب · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحبص ١٢