بيد أن في كل شر جهة من الخير أو جهة تتصل بالخير، فإذا صلح فهمه صلح هو أيضا، أو كأنه صلح لظهور حكمته والوقوف به عند حد الشر الطبيعي، وهو الشر الذي لا بد منه.
فليكن الفقر والحسد والطمع والبخل، ولكن برضا يمنع السخط، وسكون يكسر شرة النفس، ورفق لا يعنف على الحق، واعتدال يقر كل شيء على حده؛
8
يومئذ يجد الإنسان في كل نزوة من نزوات جنونه شيئا من الحكمة، أو على الأقل شيئا يمكن من بعض الوجوه أن يسمى في باب المنفعة الإنسانية حكمة. •••
ولقد كان الفقر عريانا يوم كان آدم في الأرض وليس عليه إلا ما خصف من ورق الجنة،
9
وعاش دهرا تحت السماء يلبس من ضياء كل كوكب، ويمرح في ثياب بيضاء من أشعة القمرين؛ إذ لم يكن يعرفه أحد بعد، ولا استطار به سماع السوء
10
في الأحياء، بل كان عنصرا مجهولا في غيث الطبيعة، ولم يكن لهذا الإنسان يومئذ من المعاني الفقرية ... غير شعور طبيعي لا زيغ في تأويله عن الطبيعة، وهو شعور المعدة القوية المعصوبة التي لا تحتمل الشعر والخيال وفنون الكذب العقلي، ولا تشعر إلا لتطلب، ولا تطلب إلا ما تجد، ومتى وجدت وانطفأ نهمها
11
فليس إلا قوة الجسم وانبساط النفس وحمد الله في كل ضرب من ضروب الجمال في الخليقة.
ثم كانت عداوة ابني آدم إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، وفتحت الصفحة الأولى من تاريخ الدم الإنساني في الأرض؛ فكان البغض أول سطورها، وجاء من بعده الفقر، وخطت بعد ذلك سطور وسطور كلها يلتقي إلى هذين المعنيين؛ يومئذ عرف هذا الفقر، وأصبح يتلبس في كل إنسان بمعنى يلائمه؛ إذ لم تعد الحياة هي الحياة، بل الوسائل التي يدفع بها الموت، ومنها الموت نفسه؛ فصار البغض وسيلة، والحسد وسيلة، والطمع وسيلة، والقتل وسيلة، وكل ذلك لأن الإنسان فقير بمعنى من معاني الفقر، وما البغض إلا فقر من المحبة، ولا الحسد إلا فقر من الثقة، ولا الطمع إلا فقر من العقل.
وإن أردت العجب فاعجب لهذه الطباع الإنسانية؛ إذ يحاول كل امرئ أن لا يفهم من معنى الفقر إلا ما يمكن أن يجريه على الناس كافة، حتى لا يكون هو وحده المبتلى في نفسه الممتحن في سعادته، وحتى يجد مادة العزاء من حيث التمسها؛ فالفقر على ذلك هو العوز إلى المال، وهذه بلية عليها يحيا الناس وعليها يموتون، ولقد كان الفقر قبل أن يكون المال، ثم وجد المال فما منع أن يلقى أهله الأغنياء من هموم الدنيا وبأساء الحياة ما لو استطاعوا لافتدوا من عذابه بكل ما في أيديهم، ولو أن لهم طلاع الأرض
12
ذهبا، ووجد المال فما منع الفقراء أن يخولهم الله من رحمته التي لا تفارقهم طرفة عين ما لا يحبون أن لهم به من الدنيا ولا الدنيا كلها.
13
دخل بعض الفقراء
14
على الرشيد العباسي وتاجه يومئذ سبيكة العصر الذهبي في تاريخ الإسلام، والإسلام يومئذ ترتجف به دفتا الشرق والغرب، وكأن الشمس والقمر يتلألآن على أرجاء ملكه ذهبا وفضة،
15
وكانت في يد الرشيد كأس ماء وقد رفعها إلى فمه، فلما أبصر ذلك الملك الذي لا يملكه شيء، أمسك ثم قال له: عظني. قال: أرأيت يا أمير المؤمنين، لو منعت عنك هذه الشربة التي في يدك، أفكنت تطلبها بكل ملكك؟ قال: نعم. قال : أفرأيت لو شربتها ثم امتنع خروجها منك، أكنت تفتدي من عاقبة ذلك بكل ملكك؟ قال: نعم. قال الرجل الصالح: فانظر يا أمير المؤمنين، ما قيمة ملك لا يساوي عند قدر الله شربة ولا ... ولا بولة ...!
كذلك يحاول الناس أن لا يخطئوا الرأي فيما يستحبونه أو يطمئنون به، وكأنهم لذلك يحاولون أن لا يصيبوا الحق فيما يكرهونه أو ينفرون منه؛ فكلهم سواء في ابتغاء السعادة المتوهمة التي لا يستحيل أن تتفق، ولكنها مع ذلك لا تتفق؛ إذ يريدها كل امرئ على غير ما يناسب تكوينه الإنساني ... وهم بعد على سواء من خشية الفقر، كأن فقرهم بين أعينهم، فلا تبرح أوهامهم تنتجي