تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16

بمعانيه وهمومه، ثم لا تبرح تنمى بها حتى صار الفقر في أنفسهم غير الفقر في نفسه، وقد علم الله أنه ما من إنسان إلا وفي تكوينه معان كثيرة منه. على أن السعادة الممكنة أو التي يمكن أن تسمى سعادة، إنما يكون زمامها الحس؛ إذ هو الوسيلة لإدراك الجمال وتعرف المواضع المعنوية في المادة، والاهتداء في صنع الله إلى أسرار الحكمة، وليس من لذة يصيبها الإنسان فيسميها لذة ألا وهي شيء معنوي يجيء من طريق الحس، فيشعر هذا الإنسان أن فيه معنى لم يكن فيه، وكأن اتصال شيء من سر النفس أو قدرتها، بشيء من سر الطبيعة أو قدرتها، هو السعادة.

غير أن العجيب الذي ما يقضى منه عجبا أن ذلك الحس كلما نضج واستمر

17

كان أشد إدراكا للآلام منه للذات؛ حتى إن الرجل الرقيق ليتألم للناس أكثر مما يتألم لنفسه؛ فهل ذلك ألا أن حكمة الله قد أقرت في تركيب الإنسان من عناصر الفقر أكثر مما وضعت فيه من عناصر الغنى؟

وما أشبه نفوس الناس في هذه الحياة بالزجاج سلط عليه نور الشمس؛ فما كان من طبعه رديئا غير مصقول، أو مهملا قد شاع فيه الصدأ، فذلك متى ألحت عليه وقدة الجو حمي وتضرم في ذات نفسه؛ وما كان من طبعه صافي الماء بادي الرونق نقي الصفحة، رأيته في توقده واضطرامه كأنما يمج من شعاع الشمس لهبا يتطاير؛ فإن كانت الزجاجة قد أخلصت في سبكها، وصنعت على الوجه الذي يجمع الضوء ويعكس منه، وأحكمت من هذه الناحية؛ فهناك تبلغ من دقة الحس مبلغ الأنفس الرقيقة المهذبة، فلا تكاد ترسل عليها الشمس من نورها حتى يرجع فيها نارا تلظى.

ومتي اعتبرنا الشقاء الإنساني وما يعترض الإنسان في طريق الحياة، رأينا الحق الذي لا مرية فيه أن هذا الإنسان حين تمشي راحلته إلى القبر

18

لا يكون قد انتهى من الحياة كما يقال، ولكنه ينتهى حينئذ من الموت.

فهذا التركيب الإنساني المعجز بقليله وكثيره وجملته على السوية، والذي استشرف منه العقل لأسرار هذا العالم كما توجه مرآة المرصد إلى السماء؛ لم يشهده عصر من عصور الدنيا قط إلا ذاهبا إلى الفناء بما كسب وما اكتسب، حتى ليمكن أن يقال: إن حياة الحي مصيبة تكبر كلما كبر. فكيف لعمري يحتمل هذا التركيب الهالك أن يسعد إلا بمقدار ما يدني إلى الفهم معنى السعادة الأبدية التي ليست من هذا العالم، كما تريد أن تفهم الطفل شيئا في نفسك فيراه معنى متمردا عاتيا، فلا تزال أنت تصغر منه وتمسخه وتحيله عن وضعه وتقلبه على وجوه مختلفة، إلى أن توافق صورة من هذه الصور فهمه الصغير الضعيف المتحامل على نفسه، فيدرك الوجه الذي أردت على الوجه الذي يريد هو، ويعلم ما ترمي اليه على الطريقة التي لا تعلمها أنت.

ولعل هذا هو السبب في أن الفطرة الإنسانية لا تزال من أول الدهر ضالة في طلب السعادة، تسترحل

19

إليها كل معنى، ثم لا تصل إليها بمعنى؛ فإن السعادة الدنيوية في التركيب الإنساني إنما هي بمقدار لغوي أو ما يشبه المقدار اللغوي لا غير.

20

وإذا نحن اعتبرنا هذا الوجود الفاني بما وراءه من عالم الغيب، رأينا كل صنف من الموجودات كأنه لغة متميزة بخصائصها، أوجدها الله في هذه الحياة لتدل عليه سبحانه بنوع من الدلالة أو ضرب من المجاز، فأينما مد الإنسان عينيه رأى لفظا كالإشارة أو إشارة كاللفظ .

ولكن قتل الإنسان ما أكفره! فإن ما لا يريد أن يفهمه ليذكره ويتذكر به أكثر مما فهمه لينساه، ولقد رأى أن ما فوق الأرض وما تحت السماء لا يدله بإشارة واحدة على أنه خالد في هذه الحياة الدنيا.

بيد أن الإنسان كما يكذب في الكلام يكذب في الفهم، فهو أبدا يحتاج - لشقوته - من هذه الطبيعة إلى أشياء تضل عواطفه، كما يحتاج إلى أشياء تهديها، ومن ههنا اقتحمت أهواؤه ونزغاته على الطبيعة وعلى الشرائع والأديان، والتبست في رأيه معاني الأشياء التي تتصل بنفسه؛ فظهر من الغنى ما يشبه الفقر، ومن الفقر ما يشبه الغنى، وصارت الحياة كلها جهادا وشقاء ونصبا؛ لأن المشكل فيها أكثر من الواضح، ولأن الطريقة التي يتبعها الإنسان الراقي في حل هذه المشكلات التي تعترض مطامعه وأغراضه، هي أن يحل مسألة بوضع مسألة مثلها؛ ذلك لأنه لا يهتدي إلى الكمال في شيء، وهو ناقص ولا يذعن أنه ناقص؛ وإلا فما باله يرى الحكمة الأزلية قد جعلت قوام صحته على القليل من الطعام دون الكثير، وعلى الخفيف دون الثقيل، وعلى الرخيص دون الغالي، وعلى الطعام كما يفيد دون الطعام كما يريد، ثم هو يأبى إلا أن يعد هذه الصفات وأشباهها في باب القلة من الفقر، ويعتبر نقائضها وما جرى مجراها في باب الكثرة من الغنى، ثم يضرب الله على بصره ويطبع على قلبه، فلا يرى لحاجته في الغنى من بلاغ وسبب إلا أن يكون المبالغة في الادخار، والإغراق في الجمع، والطماح كل مطمح، وأن يستأكل الناس فيكون عليهم أكلب

كتاب المساكين · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كتاب المساكينص ٨