تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11

إلا شوك شوك؛ فإذا ازدرعوها في الخصب وخضلها الماء

12

وساغت لها الطبيعة، ثم حان أن يزهر عودها ملسه كرم الأرض

13

فإذا في موضع كل شوكة زهرة كأنها كلمة الحد، وكذلك مثل الفقير بين الملحد والمؤمن!

ترى أيخرج الإنسان في هذه المدنية من عصر العقل إلى عصر القلب، أم هو منحدر من عصر عقله إلى عصر معدته، ثم إلى

14 ...؟

وكان على هذه الأرض أغنياء مؤمنون فيهم من كرم الحس شبه الفقر، ومساكين مؤمنون لهم من كرم الصبر شبه الغنى، فهل تنقلب المدنية من الغنى المحض والفقر المحض إلى مادة تخلق اللحم الحي، وأخرى لا تخلق له إلا الظفر الحي ...؟

وكان اختراع الإنسان في المادة الجامدة؛ أفتراه يجيء يوم على الناس يكون أعظم اختراع فيه للإنسان الأخير أن يعيد إلى الأرض إنسانها الأول الكريم؟

مصطفى صادق الرافعي

| هوامش

| مقدمة الطبعة الأولى

هذا كتاب حاولت أن أكسو الفقر من صفحاته مرقعة جديدة؛ فقد والله بليت أثواب هذا الفقر، وإنها لتنسدل على أركانه مزقا متهدلة

1

يمشي بعضها في بعض، وإنه ليلفقها

2

بخيوط من الدمع ويمسكها برقع من الأكباد، ويشدها بالقطع المتنافرة من حسرة إلى أمل، وأمل إلى خيبة، وخيبة إلى هم، وأقبح من الفقر أن لا يظهر الفقر كاسيا أو تكون له زينة إلا من أوجاع الإنسانية أو المعاني التي يتمنى الحكماء لو أنها غابت في جماجم الموتى

3

الأولين.

وأنت فربما رأيت الرجل من الناس وبه من جمال الدنيا مسحة الدينار، وعليه من نضرة هذه الحياة ألوان الجنة والنار،

4

وما تشك في أنه واسع البسطة، عريض النعمة، طيب المكسبة، وهو على ذلك رقعة خلق

5

في أذيال الفقر يجررها على أقذار الحياة وأدناسها، ولو نطق له الغنى لقال: دعني، فما كل ذي متربة فقير، ولا كل ذي مثراة غني.

6

والفضائل قائمة في الدنيا بالصغار والفقراء، ولكن من نكد الدنيا أن عنوانها هم الكبراء وحدهم؛ على أن أكثر هؤلاء لا تكون منهم في كل أمة إلا الطبقة المنحطة انحطاطا عاليا. فالناس مخطئون فيما اعتبروا به معنى الفقر؛ إذ حاصروه من جهاته الأرضية وقد ترامت، وضيقوا من حدوده السماوية وقد تراحبت،

7

وإنما هو طبقة معنوية فوق الأرض، وإنما هو أسلوب خاص في نظام الكون، ولا سبيل إلى التنقيح والتحرير في أساليب الله نصرفها عن معانيها، أو نتكذب في تأويلها، أو نرد عليها ما ليس منها، وإنما الشأن كله أن نحسن الفهم عن أوضاع القدرة الإلهية بمقدار ما نستبين فيها من الحكمة؛ فإن في ذلك صلاح أنفسنا، وما جعل الله سبيل المصلحة والمفسدة إلا من أفهامنا، حتى إن الأدمغة لتعد من أكبر العلل في أمراض التاريخ الإنساني، وربما كانت العلة الكبرى في طائفة من الطوائف صورة أثرية لأكبر رأس فيها.

فإن نحن أسأنا الفهم، أو ذهبنا به المذاهب، أو أفسدنا من تأويل حكمة الله أو غيرنا أو بدلنا؛ فذلك واقع بنا لا يعدونا، وما يستولي على الكون من جهلنا اضطراب، ولا تلحق به آفة في وضع من أوضاعه، وإن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون.

وما دام في هذه الدنيا شيء من المادة أو المعاني يحتاج إليه، أو يتوهم أحد أنه محتاج إليه؛ ففي الدنيا الفقر.

وما دام للناس رغبة يتنافسون فيها أو يرفعون من شأنها بالمنافسة؛ فثم الحسد.

وما دام في الغيب أيام وآمال، وفي الدنيا فقر وحسد؛ فهناك الطمع.

وما دام لهؤلاء الناس من أشيائهم ما تحملهم أخلاقهم على الضن به، أو يكون سبيله من الطبيعة أن يضن به؛ وفيهم الفقر والحسد والطمع؛ فثم خبء السوء والرذيلة الماحقة، وثم البخل، وإن البخل وحده لفي حاجة إلى نبي يصلحه!

هذه أخلاق أعرقت فيها الإنسانية، ولا بد منها ومن فروعها حتى يظل الناس ناسا لا ملائكة ولا شياطين؛ فإن من عجيب حكمة الله أنه لا صلاح للعالم إلا بالفساد الذي فيه.

كتاب المساكين · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كتاب المساكينص ٦