وإذا كان من صفة الميت أنه اسم في الحياة بغير جسم، فمن صفة هذا الحي أنه جسم يعيش بغير اسم، وما الجندي إلا عدد في حساب الحرب، فسيان قطعه «الطرح» أم أخذه «الضرب»، وإنما هو حيث يتهيأ له انتظار الأقدار؛ فليس إلا الصبر، ولو في بطن القبر، وحيث يطبخ له النصر على «النار»، فثم المكان ولو في جوف البركان. وآية عقله أن يكون كالآلة المتقنة تعمل بلا عقل فلا يخشى الحيف، ولا يسأل لماذا ولا كيف، ومن ذكائه أن يكون من صحة الذهن، بحيث لا يفرق في الموت بين الجمر والتمر، وأن يكون من «خفة الروح» بحيث تحمله اللفظة الخفيفة على جناح الأمر.
وما الحرب إلا أن يتنازع الناس على الحياة فيقيموا الموت قاضيا، ويطلبوا من الشريعة المدونة في صفائح السيوف حكما على الحياة ماضيا؛ فكلا الفريقين يقدم الحجج، من المهج، ويتكلم بألسنة الروح، من أفواه الجروح، ويأتي من بلاغة الموت في خصامه بكل «ضرب»، ويجري الحياة مجرى «الاستعارة» في «بيان» الحرب.
وقد تواقف الرجال في يوم أطول من يوم العرض، وتقاذفوا بالآجال حتى أوشكت السماء لكثرة ما ينزل منها أن تقع على الأرض؛ فالخيل منقضة كأنها صواعق أرسلها الموت في أعنة، أو نوازع من السحاب بروقها الصوارم والأسنة، مسرعة كأنها تسابق تلك المنايا التي جرت بها الأقدار، جائلة كأنما تحيرت كيف تفر من ساحة الموت بما حملت من الأعمار، وعلى ظهورها كل فارس كأنه بين الرماح أسد في غاب، وكأن الموت من سيفه سم خلق في ناب، وكأن العنان في يده سوط ولكنه سوط عذاب، لم يعد في الفرسان، حتى لم يعد من الإنسان، فإذا صاح بقرنه عرفت الوحوش ذلك الصوت، وإذا ماجته الحرب لم يفته من ضروب النقمة فوت، وإذا نظر إلى مقتل عدوه حسبت عينيه نقطتين على تاء الموت.
وقد ثار الغبار كأنه طريق يمد من الأرض إلى السماء، أو كأنما أراد أن يمثل السحاب وقد رأى المطر تمثله الدماء، أو كأنه أرض ثامنة بدأت تتخلق مبعثرة في الفضاء، أو كأنه لما رأى الحرب تتوقد هب مستجيرا بالهواء من الرمضاء، أو هو قد فر من الأرض لما خشي أن تنفلق الأرض من حوافر الخيل، أو كأنه أنف أن يأتي الناس أعمال اللصوص في نور الشمس فضرب عليهم قبة من الليل، أو حسب عقول الجند في أيديهم وأرجلهم
2
فطار ينظر أين تلك الهام، أو هو لما رأى المطر أحمر خشي على الأرض فثار إلى السماء ينظر ماذا دهى الغمام.
وقد رمت الأرض تلك المدافع بزلزالها، وألقت على الجنود صورا من شر أفعالها، فتركتهم كالغابة الملتفة إذا استطار فيها الحريق، وانحط فريق من أشجارها على فريق، وكأنما انقض عليهم من قنابلها جدار من الجحيم، وكأن كل مدفع في صيحة الحرب إنما هو عنق شيطان رجيم.
تحمل في بطونها أجنة من النار ترتعد الحصون لهول ميلادها، وتنحني القلاع مخافة منها على أولادها،
3
ولها صوت بعيد كأنما تنادى به السماء لترسل المنايا الطارقة، أو لتستقبل الأرواح المفارقة، أو كأنه نشيد فخم تفتخر به الأرض على الرعد والصاعقة.
وهي القارعة، وما أدراك ما القارعة، أما يومها فيوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وتكون الجبال كالعهن المنفوش،
4
وهو إن لم يكن يوم النفخ في الصور، فإنه يوم تحصيل ما في الصدور،
5
وإن لم يكن يوم يبعثر من في القبور، فإنه يوم يبعثر الناس في القبور.
وهو المدفع حسبه قوة أنه من الحديد، وحسب ما يحويه قول الله - عز وجل:
فيه بأس شديد ، وحسبه رعبا أنه شكل «عصري» من عذاب الخسف القديم أعده الله لهذا الإنسان الجديد. فكم من حصن منيع اعتز به أهله اعتصاما، فتركهم فيه ترابا وعظاما، وكم من قلعة شامخة اغتر الجند بقواها، فدمدم عليهم بذنبهم فسواها.
6
وأما الرصاص فهو من سماء الموت حب غمامه، وله صفير كأنه ترنم الشيطان ببعض أنغامه، ولو أن عاصفة كنست أرض الجحيم لما شوت الوجوه بأشد من ناره، ولا حملت من هناك إلا ما تحسب هذا الرصاص من حصاه وغباره، يثور كما تثور الأعاصير، ويندفع كما تندفع المقادير، ويقع على الأجسام بالأجل أو يطير، ويتناثر فكأن في السماء نجما تفتت فسقط، أو كأن قطعة ذابت من الشمس فألقت على وجوه الناس هذه النقط، أو هو فوج