تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7

من ذباب النار، هبط إلى هذه الدار، فلا هم له إلا الجلود وإنضاجها بلذعه، والعيون وإخراجها بنزعه، والعروق واستخلاصها، والدماء وامتصاصها، والأرواح بعد ذلك واقتناصها.

وكأنه زفرات غير أنها لا تخرج من الصدر بل تنزل فيه، ولولا أنها تشويه ولا تشفيه، وهو أوقع في الرءوس من الأوهام، وأنفذ في الأغراض من مكايد الأفهام، وأحر على الأكباد من كل ما يضرم غضب الجبار المغيظ، وما هو إلا العذاب الرفيع إن كان المدفع هو العذاب الغليظ. •••

وهناك من الروع ما لا يحصيه الوصف ولا يحصله، وإن عرفت آلة التصوير كيف تجمله، فليس يعرف القلم كيف يفصله؛ ولعمري لو كان البحر الأسود في المحبرة، لما بلغ في وصف هذه المقبرة، غير أنها الحرب التي ابتدعها العلم لهلاك الإنسان، والقوة التي رزقها العقل فكانت بلاء على الأبدان.

قوة المعجزات التي أركبت هذه الذبابة الإنسانية على متن الغمام، وطوت لها من السماء بين جناحي النور والظلام، فإذا سمت «الطيارة» خفض لها السحاب جناح الذل، وأقبلت الملائكة تسأل ربها ما هذا الجزء من العالم بل ما هذا الكل، وما هذه الجرادة التي رأسها في ظهرها،

8

وسرها في جهرها، بل ما هذه الحياة الأرضية التي عرجت في السماء فخرجت من حدود دهرها، وما هذا العقل الإنساني الذي لا يوزع جاشه،

9

والذي يرفعه إلى السماء ارتعاشه، وهو مع ذلك يندفع على أهله بالويل اندفاع السيل، ويطلع نصفه كالنور على الأرض

10

ليطلع نصفه الآخر كالليل؟

وهي الحرب العامة كأنها ثورة الدهر، وقد ضجر من هذا العلم وطغيانه، ومل من سماجة إنسانه، واشتاق إلى عصر حيوانه؛ فزفر زفرة أيقظت الموت وكان نائما، وتركت هذا الإنسان من الفزع لجنبه أو قاعدا أو قائما، واستنزلت من القضاء ما كان في علم الله غيبا، واشتعل من هولها رأس الأرض ببياض السيوف شيبا، وجعلت من البيوت قبورا لأهلها، وساوت في معايش الناس بين صعبها وسهلها، وأظهرت لعقول العلماء أن أكثر علمها من فنون جهلها؛ فالأرض في بلاء منتشر لا يعرف له حجم، والشعوب في ظلام من اليأس ملتهب النجم، والدول في عصر كليل الشياطين كله رجم. •••

قال «الشيخ علي»: تلك هي الحرب القائمة اليوم، ولكن كما ترى خيال النار في الماء، أما الحقيقة فكل حرف منها جيش، وكل كلمة أمة، ووراء ذلك معنى رائع هو استجماع الحياة الأرضية لمقابلة الموت، ولو أن لهذا الكون مرضا يعتريه كما تعتري الناس أمراضهم، لقلت إن شق الأرض قد ضرب بالفالج،

11

فأصبح شقها الآخر لا يكاد يجر ظله حول الشمس؛ لأن الحركة مقسومة بينه وبين ذلك النصف الميت؛ فقد اشتبكت العلائق بين دول الأرض جميعا؛ إذ لا تعرف دولة بين الناس ترعى شعبا من البهائم، ولما بدأ الإنسان يعرف نفسه في عصر العلم والمدنية عرف أخاه؛ لأن أكثر حقيقته الإنسانية فيه، ومن ثم اتصل به اتصال اليد بأختها في المعاونة على ما يسرت له كلتاهما، وجمع العلم بين هذه الأمم لأنه لا ينتسب لواحدة منها، وليس له في الأرض خال ولا عم، ولا يعرف شيء يقول للعلم «يا بني.» ويقول له العلم «يا أبت.» إلا التاريخ الإنساني.

ولهذا سفر بين أمم الأرض كل ما يخرج من رأس الإنسان وما ينتج من يده، واتصل ذلك واستفاض حتى كأنما دارت الأرض دورة جديدة من داخلها، فما إن يقع الاضطراب في ناحية منها إلا دخلها من الأثر في سائر نواحيها، من هزة ترجف، إلى زلزلة تهدم، إلى الخسف الذي يجعل عاليها سافلها.

وإني باسط لك شيئا من الرأي في كلمات قليلة، ولكنها كالمعركة الأخيرة التي يحق بها النصر، فتكون هي تاريخ الحياة، ولا يكون ما سبقها إلا تاريخا للموت.

ألا فلتعلم أنه لو كان لحوادث الدهر منذ نشأ الدهر تاريخ صحيح يصف لنا ما كان سببا في كل حادثة، وما صارت كل حادثة سببا فيه؛ لأثبت يقينا أن ليس في الأرض شيء من خير أو شر غير ما يلزم لبناء هذا التاريخ الأرضي على الوجه الذي يتفق مع بناء الإنسان، والتاريخ يطرد حينا ثم ينعطف ههنا وههنا في مجراه من الغيب، فلا يتحول إلا انشقت له ناحية من العالم.

كتاب المساكين · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كتاب المساكينص ٦٦