كل ذلك يا بني حكمة وكل ذلك انتخاب، وقد ظفر العلماء في حركات النظام بما سموه «الانتخاب الطبيعي»، وعرفوا أن ذلك سر من أسرار التقدم والارتقاء؛ فاعلم أن ما نحن فيه من معنى «الحظ» إنما هو «انتخاب إلهي»، وذلك سر من أسرار الحياة والبقاء، وما من حركة لي ولك ولكل إنسان إلا هي تمس قطعة من تاريخ الحياة وطائفة من الأحياء؛ فليس من حي هو لنفسه وحدها، وليس من حقيقة هي لنفس واحدة، وإن عرف الإنسان بعض الحقيقة من نفسه، فأكثر الحقيقة لا يعرفه إلا من سواه؛ ومن أجل ذلك يقضي نظام الحياة بما نسميه «الحظ»، وإن كنا لا نفهمه كما يقضي به نظام هذه الحياة، وإنما قوة الحركة وضعفها على حسب ما يراد بها في الدفع والجذب؛ فكن واثقا بالله مؤمنا بالقدر خيره وشره، فالثقة وحدها حظ عظيم، والله تعالى يصيب الناس بنياتهم؛ إذ هي حقائقهم الصريحة، وإذ هو وحده المطلع عليها؛ فهو يوفق السعداء للنية الحسنة ثم يسعدهم بهذه النية على الوجه الذي يعلم أنه من سعادتهم، فإن لم يكن لهم الحظ الذي يريدونه فلهم الحظ الذي يلائمهم، وربما كان زمام العافية بيد البلاء، وكانت النعمة في عاقبة المصيبة، وكان الإنسان عابسا من طلعة القدر والقدر يضحك له!
وإذا لم يكن للأقدار نواميس أرضية تجري عليها وتقع بحسبها، فإن أقرب ما يصح أن يعد من نواميسها فيما أرى هو نيات الناس.
وما النية إلا خلاصة الفكر والضمير ونتاج ما بينهما؛ فلا تنطو على ما يسوءك أن تنم به ألسنة الغيب، وإنما الحوادث من هذه الألسنة، ولا تعقد هوى ضميرك على ما تحسبه أملا من حيث لا يكون إلا حسدا للناس، ولا يعقب إلا نكدا لنفسك، وما تظنه عزما منك وهو طمع في الله ومخادعة للقدر.
وحسبك من المتاجرة مع السماء بضاعة صالحة من الإيمان الذي لا غش فيه، ومن المتاجرة مع الأرض بضاعة طيبة من النية التي لا دنس فيها؛ فإن ربحك من هذه البضاعة التي لا تكسد في أسواق السماء والأرض، أن يلقي الله عليك محبة منه وتأييدا وسكينة، وإن رأى الناس أنك خسرت شيئا من الغنى أو الجاه أو متاع الدنيا، فإنما تعلم أنت يقينا أنك لم تخسر إلا الهم والشقاء والتعب بالدنيا وأهلها.
ويومئذ يكون لك من حسن الإيمان، وحسن النية، وحسن الأخلاق، ما تعرف منه كيف يكون «حسن الحظ».
| هوامش
الفصل التاسع
| الحرب1
رقعة من الأرض كأن فيها شيئا من الطينة التي خلق منها الإنسان، فهي تمطر من دمائه، وكأنما عرفته في سماء الله، فلا يكاد ينزل بها الجيشان حتى تعيد أرواح أكثرهم إلى سمائه؛ ينجذب إليها الجندي لأن فيها ترابه بل لأن فيه من ترابها، وينطرح عليها لأن اقتراب منيته في اقترابها، ولا تزال تصرعه وكأنها من شوقها تضمه، وتلقيه على صدرها ميتا أو جريحا كأنها تعلمه بذلك أن الأرض أمه، وهي مزرعة الموت، نباتها الرءوس فمنها قائم وحصيد، وثمراتها النفوس فمنها داني القطاف ومنها بعيد، وقد رواها بالدم الحي فنبت فيها العظم وأثمر فيها الحديد!
بل هي ساحة الحرب ترفع عليها القوة راية وتنزل راية، ويحشر إلى مسرحها الناس ليمثل لهم الموت كل يوم رواية، وقد اضطربت فيها الآجال فكأنها أمواج في بحر القدر زاخرة، وتناثر فيها الرجال فكأنهم عظام في بعض المقابر ناخرة، وظهرت تلك الساحة وقد كشرت عن أنياب من السيوف وأسنان من الأسنة كأنها لأهل الدنيا فم الآخرة!
أما الجنود فإذا رأيتهم يلتحمون قلت زلازل الأرض قد خلقت على ظهرها، وإذا شهدتهم يقتحمون خلت نفوس الكرام قد حملت على دهرها، وقد أيقنوا أنهم إن لم يكونوا للموت كانوا للأسر، ومن لم يبن منهم على «الفتح» بني على «الكسر»، وما منهم إلا من يحمل رأسا كأنه لا يملكه، على عنق لا يدري كيف يمسكه، في بدن لا يعرف أيأخذه الموت أم يتركه؛ فهو لا يبالي أظلته الشمس أم أظلم عليه الرمس، ونهض للتاريخ مع الغد أم ذهب في التاريخ مع الأمس.