إن الطبيب الحكيم لا يجاري العليل ولكنه ينظر إلى العلة، وإن الله سبحانه وله العزة لا يبالي باصطلاح الناس ولكنه ينظر مصلحتهم حين يعطي ويمنع، فليس في الأرض فقير قط إلا عند نفسه، ولو اطلع كل إنسان على الغيب لما اختار إلا ما هو فيه.
وكذلك لا تنسل أيها المسكين المحزون ريش جناحيك اللذين تطير بهما لتنظر لون ما تحته من الجلد فتترك نفسك بلا إيمان وتدع قلبك بلا توكل وتسقط آخر الأمر مع هؤلاء الذين لا يرتفعون عن الأرض في طيرانهم نحو السماء إلا مقدار ما يرتفع غبار الأرجل في طريق السابلة.
ويحي! كيف ترامت بي شجون الحديث أيها القمر الضاحك الطروب حتى جعلت غبار الأرض بيني وبينك، بل غبار الأرجل في طريق السابلة؟ لقد شبهت علي هموم الإنسان هذا المحو الأسود الذي يزين جبهتك حتى لحسبته عاطفة من عواطف الرحمة رسمتها بعض الغضون في تلك الجبهة المتهللة كأن السماء تجاوب بها نظرات المحزونين في الأرض، فاعترضت، هذه النظرات أراها وأخبرها لأعلم علمها فما ألقيت علي حتى صرت هما متجسما، وانتظمت تلك اللحاظ في قلبي فما هو إلا صفحة وما هي فيه إلا أبيات القصيدة الإلهية التي ترجمتها بلساني هذه الترجمة الضعيفة كما يعبر لسان المتألم عن أوجاعه بعض الأنين والزفرات.
وليت شعري أين أنا من مبلغ ذلك، وهل في الأرض من يستطيع أن يضع منطقا للغة القلب الإنساني فيترجم به قصيدة الآلام التي تسيل رقة لأن كلماتها كلها (عيون)، والتي تنسكب فيها كل قوى النفس المختلفة كما تتدفق الجراح على نمط واحد بدم واحد، ويكون ألم الحب أبلغ معنى فيها وتكون أنت أيها القمر بضيائك وجمالك وآمال العشاق فيك وابتسامات الحسان لك فلسفة الخيال لهذا المعنى اليتيم؟
أيها القمر! إن كان في الناس من يظن أن الفلسفة تكون دين المستقبل الراقي فإنما هي فلسفتك المؤمنة الجميلة التي تجمع الإيمان وهو الحب السماوي، وبين الحب الذي هو الإيمان الأرضي، وغاية الرقي لهذا المستقبل البعيد أن يكون أفق آماله أدنى إليك بطهارته وجماله، وما من رجل حكيم يحلم بهذه المعيشة السماوية على الأرض أو يفكر فيها إلا وهو يقرأ تاريخ أحلامه في سطور أشعتك، ويرى هذه الأشعة نفسها كأنها معاني ذلك المستقبل تهبط كل ليلة إلى الأرض لتعتاد الإقامة فيها، ثم لا تلبث أن ترى الناس قد هبوا من مضاجعهم حتى تفر إلى السماء مذعورة وتتوارى مع الأحلام كأن الناس تشابهوا عليها وهم نيام فلما رأتهم منبعثين رأت أكثرهم ليسوا من الناس ...
| الفصل الثامن
وكم ناجاك أيها القمر من عاشق قبلي، فإنك ما انفصلت عن الأرض إلا ليجعل الله منك أفقا لآمال الإنسانية الجميلة، بل أنا لا أحسب عاشقا من لا يناجيك ومن لا يأتي بدموعه وأحزانه وهواجسه وآماله فينطرح في هذه اللجة التي ترسلها من شعاعك وينغمس فيها ساعة ثم يخرج وكأنه جسم من نور يخفق في جنبه قلب كالنجم ويترك في نورك بقايا ظلمات نفسه الحزينة تراها السماء فترى بها كيف يكون ظل هذا القلب الإنساني المتألم، ثم تجمع أنت هذه البقايا وتدرجها في قطعة من شفق الفجر تشابه الدم الذي كانت تغتدي به من الحياة وتدع الزهرة الحسناء ترسل عليها نظرة من نظراتها الفتانة لتعرف أي ثمن من الأنفس والقلوب تشترى به في الأرض ابتسامة كابتسامتها في السماء.
وبعد ذلك تروغ بها من وراء الصباح روغة ثم تدفنها في بعض الكواكب المنطفئة التي هي مقبرة الأبدية في غيب الله.
فلا يزال دأب العاشق الحكيم أن يذوب في شعاعك لكيلا يبقي من نفسه غير المادة التي تذوب في شعاع الجمال، فيكون بجملته نفسا روحية تتلقى الحكمة العالية عن النظرات والابتسامات كما تتلقاها عن الآداب والشرائع.
وقد نرى أقواما ممن يدعون الحب سفها وغلظة وإن أحدهم ليذهب فيقذف بنفسه في ابتسام الجميلات كما ترمي بالحجر في الماء العذب لا يعدو بطبيعته أن يستنقع فيه.