تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وترى ذلك الجلف لما يعالج من شهوات الحياة كأنه قدر تضطرم آخر النضج وهو لا ينفك يزعم أنه يشعر بالحب وأنه مبتلى به ويقول لك حسبك من حب مضضه أشد على النفس من سعار الجوع ... ثم ترى أضلاعه وقد أحاطت بقلبه كالسياج حول المكان الخرب. وهو قلب هدمه الحب حتى سواه بمعدته كما يسوى الحائط المنقض بالأرض، ولكن الحب لم يبنه؛ لأن القلب لا يبنى على أساس من المعدة وليس في الرجل أمتن من هذا الأساس ... لا بل ما أحرى ذلك القلب أن يكون معدة ثانية تؤتي غذاءها من سفاله ولؤمه فلا يدخله الطيب حتى ينقلب خبيثا.

ويأتي هذا الرجل - ولا يكون إلا غنيا - وقد أدل بنفسه وأشرق وجهه كأن فيه كل معاني ذهبه وفضته، وإن كان هذا الوجه الجلدي كأنه بعض ما خلق من أحذية الرذيلة ... فيريد أن يتسفه الجمال عن ماله وثروته؛

1

ويريد أن يشتري الحسناء الجميلة التي خلقت للحب لا للبيع؛ وكأنه والله رجل جاءت به اللعنة المقعدة ليحملها ويسعى بها، فحملها وحمل الخزي معها وألقى عليه الله غضبه من عيني الجميلة التي اشتراها.

اشتراها من فقرها بماله، ومن تعاستها بقبحه؛ وكل تجارة الجمال في يدي الفقر والتعاسة، واشتراها وانقلب بها وكان لها - وا أسفا عليها - خزانة من حديد حبست فيها لؤلؤة!

فيا أيها القمر، لقد زعموا قديما أن هذا المحو الذي تراءى به هو عين ثرة، وأنها تفيض بقطرات من دموعها في الغلس على زهرة من أزهار الفجر؛ وزعموا أنها لا يفلح السحر إلا إذا وفق أهله لدمعة من دموعك يأخذونها من شفتي الزهرة كأنها كلمة القضاء؛ فأرسل أيها القمر كل ما في عينك على زهرات فجر الحب ليمتزج بندى هذه العيون الساحرة التي يبكي بها الجمال المحزون في أسره: وعسى يفلح سحرها في أولئك البهائم فيمسخهم أناسا يحسون بشعور الجمال الذي يخلق في كل حسناء ليكون حياة لجمالها وجمالا لحياتها فإن الله يأبى أن يجعل في الأرض أو في السماء قوة تجعل الحسان الجميلات يشعرن من الغلظة والفظاظة بما يشعر به أولئك البهائم.

رحمة لهذا الجمال!

وجه وضيء الطلعة كأنه السعادة المقبلة، يصل إليه دم الشباب من القلب فيتحول فيه إلى جمال وفتنة، كما تجول قطرات الماء في غصن الياسمين ثم تتحول في تلك الزهرة الطاهرة العطرة إلى جمال وابتسام وكأن معاني الحسن التي تتحير في خديه حقيقة إلهية تطل على النفوس من وراء الشفق.

فيه حاجبان كأنهما تمثيل للانحناء الخطي في الهندسة السماوية التي وضع الجمال على قواعدها، يمتدان فما أدرى ما أمثلهما به غير أني لا أظن الفتنة القلبية تمتد مجتمعة إلا بمثل هذا اللطف، وينتهيان إلى طرفين دقيقين لا يغمز بهما إلا ثقبا القلب من جانبيه.

وتحتهما عينان تنظران - والله - بروح تكاد تنطلق ولا يفهم عنهما إلا كأنها ناطقة، وتضطربان فكأنما يضطرب معهما جلال السماء إذ يلوح في صفائهما، وتغضيان تفترا ودلالا فكأنما تلقيان على الروح فترة تحلم فيها من أحلام السماء وتستيقظ، وتدوران بما يشبه الحياة والموت كأنهما الكلمتان الإلهيتان «كن ويكون» في محجرين واسعين كأنهما في هذا الجمال منفذا القضاء والقدر.

وخدان تحير فيهما الجمال فوقف يتلفت عن يمين وشمال، وتظن من التهابهما بشعاع الجمال أن العقل الجميل انقسم فيهما إلى فكرين يتوقدان ليقبس منهما الشعراء نار النبوغ التي يضطرم بها العقل والقلب والروح فيصرن جميعا شعلة واحدة تضيء بالشاعر على آفاق الحكمة والحب والإيمان، وتراهما أسيلين بارزين، فيالله! هل هما ثديان صغيران من الورد يرضعان طفل الحب - الذي هو النحلة الإلهية في لذع الأرواح وإطعامها - العسل والمعسول؟

وبين الخدين أنف جميل تنحدر عليه اللحظات الفاتنة وتلتقي إليه الأشعة الوردية فهو خلاصة الجمال، وتراه بين ذينك الخدين كالإنصاف بين القوتين، فالنظرة إليه وإليهما ترجع إلى قلب المحب بالخوف المطمئن الذي لا ينفك يخوفه الحب ويبعثه عليه.

حديث القمر · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حديث القمرص ٢٩