ويح هؤلاء الناس! ألا يرون المصائب والآلام ترسل دفاقا على الأرض كماء المطر وهي مع ذلك لا تصيب من تصيبه إلا قطرة فقطرة كأنه مكتنف من رحمة الله بفضاء واسع يجعله كهذه الطيور التي ترسل عليها السماء من أقطارها وهي مع ذلك تلبث طافية على الهواء كأنها الأمواج التي يجيش بها البحر أبدا ولا تغرق، ولو هي كانت في الأرض لأغرقتها بصقة من إناء مترع؛ أوليس في ذلك ما يردف الإنسان شغلا بنفسه الضعيفة مما يذهب إليه في إلحاده وريبته إذ ينتحل شيئا من الألوهية لينكر الألوهية أو ليشك فيها ؟
وهيهات يجادل امرؤ في الله أو يستريب به أو يتصفح على أعماله إلا إذا كان يقيس من أمر ذلك ما في نفسه كأن في نفسه مقياس الألوهية، وإلا فهو الغبي الذي لا يسقط على عقله ولو استمر يبحث عنه في الكتب حتى يرمى في جنازته.
12
أو لا يستشعر الإنسان مما تزلزله مصائبه وآلامه وأن روحه تتخطى مقرها في باطنه فكأنه يتزلزل بخطواتها، وقد يراها فصلت عنه حين تنتزي به الآلام المبرحة إذا انتهض من صرعته ونشط لما ينشط له الأصحاء رأى كأنه مقبل على الدنيا من حدود الآخرة!
وإذا كانت النفس خرساء لا تفهم إلا بالحركة والإشارة فما أرى هذه الحركة منها في الإنسان بين المرض والصحة إلا كحركة نقض الدليل الفاسد بالدليل الصحيح في العقل، فإذا هو سفه بعد ذلك نفسه وسفه الحق منها وحاول أن يرتبطها من إنكاره وحجوده ومكابرته وعنته بالسلسلة الربوض
13
فإنه ينقلب ما يشاء ملحدا أو فاسقا أو شيطانا وتبقى نفسه كما هي على طبيعتها الإلهية؛ لأن الدين النفسي ليس ما يزعمه العالم في مجادلته، ولا الجاهل في محاولته، ولا المؤمن في إقراره وتصلبه، ولا الجاحد في إنكاره وتعجبه. وإنما هو قلب الإنسان الذي يخفق في العالم والجاهل والمؤمن والجاحد بحركة واحدة كأنه فم يسبح الله بكلمة الحياة.
يا شقاء الإنسان ويا ويله إذ يرسل الله على قلبه شعاع الرحمة والإيمان ويأبى من غلبت عليه شقوته إلا أن يضرم من هذا الشعاع الإلهي نارا ينضج بها غذاء شهواته ويطيبه فلا يزال يحتطب لها من كل خبيث جاف حتى تراه كأنه قدر تئز أزيزا، وكأنه في باطنه شظية من جهنم يسطع وهجها في عينيه فلا تقع ألحاظهما على شيء إلا رجعت منه بمعنى خبيث وتركت فيه معنى أشد من ذلك خبثا، ولو زادت هذه النار في جوفه فخلق منها للناس شيطانا، ولكنها - من رحمة الله بالناس - نار قليلة لا تكفي لشيء أكثر من عمله الشيطاني ...
ذلك؛ فانظر الآن ماذا يترك الشعاع الإلهي الذي وصفنا في قلب المؤمن بالله؟
إنه يجري في أحزانه كالماء يتدافع في مسبله، وتراه يطرد وينعطف ويتمعج لأنه ينساب بالحياة فكأنه يبحث في جهات نفسه وأنحائها عن كل عاطفة ميتة فلا يترك على جانبي الحياة إلا ما ترك الماء على عطفيه من خضرة ونضرة وبرد وسلام، فيخوض المرء فتن الدنيا ويرتكس فيها وهو مطمئن يحمل في باطنه سلام الله، ومهما تكفأت عليه النوائب وعصفت به الحوادث فإنها لا تجد منه إلا ظاهرا أمسكه باطنه وباطنا استمسك بيد الله، كالسفينة في البحر تكتب لها السلامة فلا تجري إلا على قبرها ولا تنبعث خطوة إلا كانت لها فرارا أو ما يشبه الفرار من الموت وكأنها في ذلك البحر اللجي إنما هي روح الأرض أنشأت تهتز وتضطرب.
فلتكن أيها المحزون أكبر من همومك وأحزانك بالغة ما بلغت، وإذا كان الموت يعد شرفا لمن مات مدافعا عن الحقيقة مهما كان وفي أي صورة تمثلت، فإن البقاء في الحياة يكون أحيانا أعظم شرفا منه لمن يدافع مصائب هذه الحياة عن ضميره فلا تستبيحه ولا تزعج الفضائل الإنسانية التي اعتصمت به.
وإذا اشتبكت أيها المحزون بهذه الآلام فكن قويا على مصارعتها، وقد تصرعك مرة إذا بدرت منك غفلة، فلا تكن حينئذ جبانا في النهوض كما كنت جبانا في الوقوع، وليست فضيلتك في أن تنزل على حكم كل ضرورة، فإنك عند حكمها طوعا وكرها ولكن الفضيلة أن تعرف في نزولك من جهة كيف تصعد من جهة أخرى؛ وما دمت حركة من حركات الفلك فلا تحاول أن تقف به عن مسيرة لهوى يعترضك أو تحرفه إلى جهة تعن لك فتتلاشى ويستمر الفلك سائرا، وإني رأيت دوامة الماء لا تلتوي عن تيار النهر إلا لتفتح لنفسها قبرا فيه، وإذا لم تكن قادرا أن تنال ما تطمع فيه فلتكن قادرا أن لا تطمع فيما قطعت عنك أسباب نيله، فإن غاية القدرة في الحالتين الرضى، وأنت في أكثر ما تعاني إنما تتألم بأوجاع الناس من حيث تؤذي نفسك ولا تغني عنهم من شيء، فإنك لا تملك إلا نفسك ولا تملك نفسك إلا فضائلها، وأنت على ذلك تجاري بآمالك أقواما من الأغنياء هم أصابع الدنيا في كفيها وقدميها ... لا يعرفون إلا فلسفة الحس ولا فلسفة لهم إلا أن كل حقائق الدنيا لو حللتها الفلسفة أو العلوم أو الأديان لألفتها على كل حالة حقائق ذهبية ... هكذا اصطلح الناس كأن الله لا يعطي ولا يمنع إلا بعد أن يتواضعوا فيما بينهم على ما يسمونه إعطاء وحظا مما يسمونه منعا وحرمانا، وكأن ليس في الأرض غني عقيم بلغ من الدنيا ومن الكبر ومن العقم جميعا، ثم نظر إلى كنوزه العريضة ونظر معها إلى طفل يلعب في بيت رجل فقير ويملؤه بالضحك فعرف من هذه الحقيقة الحية مقدار ذلك الوهم الميت الذي يسميه الغنى، وكأن ليس في الأرض رجل ذكي عبقري لا يملك إلا عقله وهمة نفسه وهو مع ذلك لا يسره أن تكون له بهما كنوز فدم غبي له من المال وبلادة العقل وصغر النفس مقادير يوازن بعضها بعضا، وكأن ليس في الأرض محب دنف يهوى غادة فاتنة وقد عرف ما هو الغنى في اصطلاح القلب كما عرفه الذكي في اصطلاح العقل وكما عرفه العقيم في اصطلاح النفس.