ألا فليهنأ بك هذا القلم الذي أوتيته، فإن ما كتبت به سيبقى دائما على آفاق هذه اللغة سحابة وحي تحمل تنزيلها.
وتالله من يتذوق طعم هذه الحلاوة التي تقطر بها براعتك؛ ليظل من بعدها في جوع دائم إليها كجوع الأغنياء للذهب.
أراك تبتسم الآن بسمة الرضا: أفيعجبك ثناء هذه الصديقة البربرية؟
السيد
تقول: إن حبك مسرف، وعداوتك مقتصدة، وإن هذا الحب كخضوع المستبد، والاستبداد في نفسه قوة، فهو إذا خضع كان واثقا أن خضوعه قوة أيضا، وإن هان وإن ذل.
يا صديقي السيد ... نعم ثم نعم، ولكن كلمتك تجعلني أرى في صلتنا هذه نوعا من تطفل الفتاة على سيادة الرجل؛ إذ تقتحم بها الفتاة، وإذ تجرؤ على ألا تضع هذه الصلة فوق موضعها الطبيعي؟ إن هي إلا خضوع وطاعة وعبودية للسيد ...
أليس كذلك أيها السيد؟!
أما والله إن الرجل مهما يغلب نفسه، ويحملها على الرقة؛ ليصلها بنعومة الأنوثة من جانبها المصقول الناعم، فلا بد أن تغلبه نفسه مرارا حتى تظهر حقيقته الجافية الخشنة التي خلق منها ولها ...
ولو أن حجرا أحد جوانبه ماس ثمين، وسائر جوانبه الأخرى حجر، ثم مسته الحياة فتمثل بشرا سويا؛ لكان رجلا متحببا متظرفا مثلك يا سيدي، وهو من جانب واحد يعتبر الحب، أي الماس، ومن ثلاثة جوانب يعتبر السيد أي ... أي الحجر ...!
السيد أيضا
لا يسؤك أيها الصديق! فوالله ما أنا بالتي ترغب الإساءة إلى عدو، فكيف بها إلى صديق وإلى صديق عزيز؟ أيغضب السيد من وصفه بالسيد؟
ولكن ما كانت الصداقة لتحمل في يدها ميزان العدل لكل كلمة، وكل معنى، وكل إشارة؛ بل إنها لتصفح كثيرا عن كثير لتجعل الحق الذي لها أن تستوفيه كاملا كأنه حق عليها تؤديه كاملا، فتكبر بتسامحها وتنمو.
كن أنت الحاكم على نفسك انتصافا؛ لما ظلمت به نفسا أخرى.
وإني أهز يدك بقوة تؤكد لك أن حرارة الإخلاص هي أبدا قوية من أنها إخلاص، متجددة من أنها قوية، باقية، ما من أنها متجددة، وبكل هذا هي الحب وهي الصداقة!
هو المرض ولكن
نعم هو المرض الذي استحق مني كل هذه العناية، ولكنه المرض على أنه في جسمك ...
أنا إنسانية أعطف على كل أحزان العالم، ولكني لو تألمت لكل المتألمين؛ لما أثاروا في نفسي إلا الجزء الأصغر مما تثيره في آلام صديق.
لو تألمت بنفسي أو لنفسي لاحتملت، ولكن ألمي بك، وشفاءه فيك، فهو ألم وجزع واضطراب، أتألم بثلاثة من حيث لا تتألم أنت إلا بأحدها ...
نعم هو المرض الذي أثار في كل هذا، ولكنه المرض على أنه في جسمك!
جو طليق وحرية
أنا كما تقول: في الجو الطليق، وفي حريتي المعبودة؛ يحويني الفضاء وأحويه، ولا قيد ولا حد، ولكن مع كل هذا فهناك هناك في الجو جاذبية، وهنك للحرية أشواق، وما يعين لنا حدود مسراتنا إلا آلامنا ...
أضيفت كلمتك ... إلى سجل هفواتك في حق هذه المخلوقة التي لا ذنب لها سوى طيبة نفسها، ومن استحق أن تكون طيبة نفسه من ذنبه فقد استحق أن تكون من عقابه عند نفسه أتريد مني التوبة عن أن أكون لك طيبة النفس؟
افتح للشمس
أعجب لقلبك، يأبى إلا أن يحتبس في هذه الفكرة المظلمة التي توهمك أني أسأت إليك، وقصدتك بالمهانة ... هل القلب يعادي صاحبه أحيانا فيعاديك قلبك، ويأبى عليك إلا أن تصر وتكابر، وتغلق النافذات كلها، ثم تذهب تتهم الشمس؟
ما حيلة الشمس في الحيطان والأبواب التي أنت تقيمها؟ افتح لها تدخل إليك!
طفل الحب
كيف قلت عن الطفل الذي أشرت إليه؟ أما تعلم أنه طفل خبيث لا يستحق الرحمة الواجبة للأطفال من كل طبيعة، وأنه ذو مكر، وأنه ذو دعابة، وأنه يريد كل شيء قبل أن يفكر في إعطاء شيء؟
إنه يظن أن كل ما يعطاه فإنما يطعاه؛ ليجعله ألعوبة ومعرض عبثه، يلهو به، ويسخر منه إذا كده اللعب أغمض عينيه ونام؛ ليجد من الأحلام لذة لعب آخر ... ثم لا يلبث أن يهب من نومه فزعا خيفة أن تكون ألعوبته قد أخذت منه، ولكنه يجدها فينقلب إلى زهوه، ويكون فزعه كذلك فنا من اللعب: ألمثل هذا الطفل تفتح ذراعيك؟