فآه من ألم السمو الذي يجعلني أفرق حياتي على الأشياء والمعاني؛ لتتغير في نفسي، وأعيش أنا في مثل هذا الهجر على المعنى الذي لا يتغير كمعنى البلى، ولا يتسامح كمعنى الضغينة، ولا يترخص كمعنى العقيدة!
وآه من كبر النفس على صغائر الحياة، ومن صغائر الحياة على كبر النفس! ولقد يكون الملك العظيم في حشده وجنده وحوله وطوله، ثم لا تعبأ ذبابة من الذباب أن تقع على وجهه، ولو نطقت لقالت صادقة: وإن كان ملكا فإني ذبابة ...
وآه من عين الحكمة التي تبصر كرة الأرض هباءة طائرة في اللانهاية، وترى الكون العظيم ذرة مكبرة، وتضاعف الأشياء على النفس مرة، والنفس على الأشياء مرة أخرى، ولا تبرح تخلق خلقها على ما تحب وتكره؛ لأن فيها ألوهية الفكر!
آه من هجر هو سمو ولكنه من الصغائر، هو حكمة ولكنه من الألم ... هو هجرها لكنه هو حبها!
| من قلمها
«وهذه فصول منتزعة من بعض رسائلها نشرناها مقتضبة تلمح بمعانيها لمحا؛ ليكون في هذا الاقتضاب شيء من الإبهام، فتكون مع الإبهام كأنها لم تنشر ... ما دامت هي لم تكتبها لتنشر كما تزعم
1 ».
فلسفة تأخير الرد
أخرت جواب رسالتك؛ لتجيب عني بظنك، وستجيب بأنواع متناقضة مما يسوؤك ويسرك، وتضع في أجوبتك مائة «نعم» ومائة «لا» ... ثم يأتيك بعد كلامي فينزل من نفسك منازل لا منزلة واحدة؛ إذ تقابله بكل ما قدرت في نفسك من قبل، فيسرك على قدر ما أحزنت هذه النفس، ثم يعطيك من اليقين ما يسرك من ناحية بإثبات الحقيقة، ومن ناحية أخرى بمحو الظن!
هذه سياسة بعض ما يحتاج إلى الشرح في بعض علاقات النفوس يكون السكوت الطويل فيها هو أول شرح للكلام الذي يأتي بعده ... يفسره تفسيرا غير مكتوب ...!
طفولة فلسفية
أظن هذه الفترة التي انقضت في سكون ظاهر كانت كلها أحاديث، أحاديث طويلة لو تعلم.
إذا أنا سألتك مرة: أين البرهان؟ لم يعجزك أن تأتي به من بلاغتك، وقد لا تكون ثمة قضية يقوم برهانها، ولكنك تجعل البلاغة الساحرة نفسها قضية على ما ترسم، كأنك مهندس منطق ... وبذلك تطمئن دائما؛ لتأثيرك قوة براهينك، أي لإقناعي أنا راضية أو غير راضية ...
أما أنا فأقدم برهاني بسذاجة الأطفال الذين لا يعرفون ولا يستطيعون إلا أن يكونوا أطفالا ... وأقوى برهان الطفل أن يكون الطفل نفسه برهانا عليه، فما عساك تقول؟ أترى الطفل هو عندك أيضا قضية بلاغة؟
لله من الكناية إليك! ما أشدها طربا وأشدها صعوبة في وقت معا! فأنا أخاف لأنك تستشف من الأحرف ما لا يتبينه سواك من الصفحات، وغريب أنني - مع شدة هذا الخوف - لا أكاد أمسك القلم حتى أسير به أو يسير بي أو نسير معا: ليس في أحدنا تروية ولا حذر، كأنني أخاطب نفسي، أو هو يكتب مذكراتي، أي من قلبي لقلبي. أتعجبك هذه الطفولة في الحديث؟
نعم هي ألفاظ كالتي في ألسنة الأطفال، لا كتلك التي في الكتب أو في صناعة البيان، ولكن إذا أنت لم تغض عن ظاهرها فأين إذا الحفاوة بالمكنونات التي لا يراها إلا من خبئت له؟
قياس الأشياء في الحب
كم أراك تحتاط بطريقة ناعمة لا تصدم كبرياء النفس إلا قليلا! ولكن أيذهب عنك أنها حين تصدمها قليلا تكون صدمتها وكفى ...؟
ليس كل قليل هو قليلا
2
ولا كل كثير هو الكثير، فقياس الأشياء بين الأصدقاء لا يكون في الأشياء ذاتها؛ بل في صلة الإحساس التي تكون في أنفسهم: لأنها إنما تقدر بمقادير الشعور لا بمقادير المادة ... أما رأيت هذه الصلة الوثيقة أيام كنت مريضا قد جعلتك مريضتين ...
إذا كنت على ثقة من هذه القضية، فانا الآن راضية عن هذه الابتسامة الطويلة التي أثق أنك تبتسم بها، وإن كنت لا أراها!
البربرية
باركت الوخزة التي فجرت منك هذه الآيات الساحرة، وكدت أدعو لك بالآلام والأوجاع ما دمت لا تكتب إلا من جرح ... أتعجبك تمنيات هذه الصديقة البربرية؟