تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن، ما أكرم عاطفة الرجل الذي يكون في ساعة من الساعات ألعوبة طفله العزيز! إنه في الحقيقة عالم جميل من الرجولة القوية يكتشفه الطفل ساعة يلعب به ... وفي هذا اللعب يكتشف الرجل كذلك في طفله عالما آخر أبدع وأجمل عالما من عواطف قلبه.

الطفل وذئبه

تريد أن أوافقك على ضرورة إيجاد الذئاب لبعض الأطفال ...؟ هذا ما لا أسلم به إلا إذا أصبح الذئب حملا، وتغير فهم اسمه ومعناه.

لست أرى من الواجب أن توجد الطبيعة إلى جانب الطفل شيئا مما يخيفه، ومع هذا فالطفل جبان يخاف حتى من تغريد البلبل إذا سمي له البلبل بغير اسمه، وصلصلة السلاح تخيف الطفل كالسلاح، ذلك بأنه لا يقوى لا سلبا ولا إيجابا، لا على أن يثبت لما أمامه، ولا على أن يفر مما أمامه ...

أيعجبك هذا أم أنت تريد أن تنكر علي هذا الحق الذي أسلبه منك؛ لتعرف قيمته حين أرده إليك ...؟

من بعيد

أكاد والله أنسى أنني بعيد عنك هذا البعد كله، بعدا يتقاذف بكلماتي مسافات ومسافات إلى أن تؤدي إليك شعوري، ولا أعلم هل يسلبها البعد هذه الصيغة الحقيقية التي أراها لها وأنا أكتبها، وأراها لها حين تتركني ذاهبة إلى البريد؟

وأنا - على هذا البعد - يوم أقرؤك أراك وإنك لأقرب إلي ممن هو أقرب إلي، وأشعر بالكلمات حارة متنفسة بين يدي كساعة كتابتها، كأن قلبي كان عندك وأنت تكتبها فلما جاءته جاءته على عهده بها!

هناك - مهما ابتعدت - دائرة أنس لنفسي تسكن إليها وتتعلق بها، ولا تجعل محيط أفكارها إلا منها، فأنا بنفسي في هذه الجهة البعيدة التي تفصلك عني ، ولكني بها أيضا في المكان الذي أنت فيه.

| وهم الجمال

«وبعد أن تكافأت مقادير نفسه، واعتدلت من اضطرابها، وأشرف على السلوان، كتب هذه الرسالة»:

1

هذه رسالة أحسبها قد برئت في معناها من السلوة والحب جميعا، وخرجت بموضعها عن الرضا والغيظ معا، ولم تجئ من برد على الكبد، ولا من حرة في الصدر، فلا يخيل إلي فيها أني أنسكب في تعبيري كما كان يعتصرني هذا القلم في غيرها حنينا وغراما أو سخطا وموجدة.

أكتبها وقد تكافأ جانبا الحب في نفسي هونا هونا، واعتدلت مقاديرها شيئا شيئا، فلا أعتد بسبب تصغر به الحقيقة الكبيرة، أو تكبر الصغيرة، أو يجاوز بمعنى حده، أو يقصر بمعنى آخر عن حقه، ولا أحجر فيها على كلام صحيح أن يتصرف بقدر أدلته وبراهينه؛ لما أخشى من سوء موقعه في الحب، ولا أطلق فيها لكلام مزور أن يتزايد في مغالطته وكذبه؛ لما أرجو من حسن أثره عند الحبيب.

وأكتبها وقد أصبحت أرى وجهها الذي تحمله كالصورة، يحملها الحائط

2 ... وعدت أراها هي وأمثالها من الحبيبات كفقاقيع الرغوة في ألوانها وجمالها وانتفاخها ... وفراغها ... وصرت أعتقد أن الهول الهائل من النساء الجميلات إن هو إلا كذلك الرعب المخيف من جبال الثلج، في القطب: لا يمسك الجبل الشامخ بما حوله إلا خيوط واهنة من غزل الماء لو قطعتها نسمة؛ لانهار وانكفأ.

3

وأكتبها وقد خرجت إلى دنيا الناس، وكنت في الحب وإياها كالمنقطع في صحراء ضل فيها ضلال القفر، واختبل من خبال الوحشة، فهو يرى اجتماع اثنين في ذلك التيه وقيامهما معا كأنه تكوين دولة من الدول العظمى ... •••

إن البلاغة التي كتبت بها رسائلي من قبل، وما احتلت لها به، وما صورت من فنونها - هي بعينها التي تنتهي في هذه الرسالة إلى أن جمال المرأة الجميلة، ليس في ذات نفسه إلا أسلوبا من الخداع، كالذي يكون في تزويق الكلام وتمويه الحقيقة ببلاغة التركيب، غير أنه أسلوب حي في لحم ودم، ثم تزيده المرأة بفنونها وتعمية؛ لأن جمالها في صورة أخرى من صوره الكثيرة هو نفسه الرقق والاستعباد محببا في خلقة جميلة؛ ليطلب ويعشق. استعباد حي متى بدأ استمر يقوى ولا يضعف، وينمو ولا ينقص، ومن هذا كان قيد الجمال لا يفك أبدا إذا غل به أسيره من العشاق، بل يكسر كسرا، ويصبح فيه أمر العاشق من حبيبه كالاستقلال في الأمم المستعبدة: لا يعطى بل يأخذ، ولا بد فيه من الجرأة والمصابرة والاقتحام وسلاح من الأسلحة أيها كان، إما حاطما أو مفزعا أو متهددا أو محتالا أو سلاح الرضا أو سلاح الثمن ... وما إليها لا بد من سطوة ينقلب بها الأسير المستعبد إلا أن يكون مالكا بوجه من وجوه التملك في تلك المنطقة الإنسانية السحرية المسماة في لغات الناس بالحبيب ... •••

أوراق الورد · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ٦٤