تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كلمة كانت من المادة النفسية المشتعلة بالعناد، المنفجرة بالغضب، المصوبة بعد ذلك كالرصاصة المنطلقة! لا تراها بدأت إلا قلت انتهت، وربما قالوا: رميت، والمعنى قتلت، وإذا قيل في الرصاصة المنطلقة قد ذهبت، فاعلم أنه قد مات من اللغة إلى الأبد لفظ رجعت أو ترجع ...!

وعلى ظهر كلمة الغضب وضع الماضي رحاله المملوءة جمالا وفكرا وعاطفة ولذات، وانحدر على طريق النسيان فذهب حديث لا يلحق، ورمى إلى حيث لا يعود!

ألا ما أشأم الساعة التي تعارض فيها كلمة قلب كلمة قلب آخر يحبه، وتقف لها كبرياء معشوقة بإزاء كبرياء تعشقها، وتضيق نفس على نفس تحاول كلتاهما أن تحبس الأخرى في سجن كلمتها!

تلك ساعة تكون والله بين العدوين أخف وأرحم مما هي بين الحبيبين، ولعمري وعمرك ما التقاء العدو بعدوه في مناجزة إلا صورة هم وروع مصغرة من صورة ابتعاد حبيب عن حبيبه في هجر ... إن معركة الدم لأصغر من معركة الدمع! •••

كبرياؤها الآتية من أنها هي المعشوقة، وكبريائي التي أستشعرها من أني أنا محبها، كلتاهما كانت العزيمة الهائجة المحتدمة التي أدت شدة المبالاة فيها إلى عدم المبالاة، وجمعت منا جهلتين غير مبصرتين، واستكبر لها الواقع المحدود، فانتهى من غضبه إلى سورة معركة، واندفع بها التيار الذي جعل يزحزحنا واحدا عن واحد حتى فصلنا انفصال شاطئين، وفقدنا ما يسمى في اللغة السياسية: «إدراك حقيقة الحالة» فانثترت بيننا ما تسميه تلك اللغة: «بالمسائل الشائكة» وأصبحنا من حيرة وعجز وسوء بصيرة في مثل الحالة التي يطرح فيها اللغز لحله فإذا منه لغز آخر، وكان عقدة ناعمة كملمس الحية فانتهى إلى مس السم الناقع، ثم ضلت في ضلالنا الكلمة التي كانت تصلح للصلح، وضاق عنا الحب بأخلاقه فلم يبق مني ومنها غير «لا» قائمة في وجه «لا». •••

إنه الموقف العقلي المصبوب على قالب فلسفتها حين تقول إنك لن تحكمني، ولو أنك في الواقع تحكمني ... وعلى قالب فلسفتي حين أقول: إنني لن أغلب في شيء، ولو أنني في كل شيء مغلوب! ...

كلمة بيننا ليس لها ناهية ولا آمرة من العقل، فلا تنزل في خاص معناها، ولا تقر في معنى يمسكها على وجه مفهوم، وكأنها في موضع مسحور لا يستقيم فيه برهان، ولا يحق حق ولا يبطل باطل، وفيها ملء القفر من الإصرار الجافي الموحش، فإذا تقدمت لها شفاعة الحب لم تقع من كلينا إلا بأبعد البعد: كالذي يضل في صحراء فيظمأ ويلتاح، ثم يذهب يحفر عن بلة أو جرعة، حتى إذا أوشك أن يذبحه الظمأ بنصل من خيال الماء عثر على إناء مختوم فيفضه فإذا فيه جرعة تاريخ قديم ... تنبئ عن مدن وأطلال، ودولة وشعب كانت هنا ... هنا في موضع قبره هو ...!

وليس التعب أشد شدة ولا أثقل ثقلا من موقف عقلي تقفه مغالب نفسك على حقيقتها، فتبغض أنت وهي عاشقة، أو تماري وهي مقتنعة، أو تجحد وهي تقر، أو تعزم العزمة وهي تنقض عليك، فأنت في تزوير فكرك على نفسك، وفي رد نفسك على الفكر، ثم في التواء حقيقتك التي جعلتها محركا واحدا يعمل في حركتين متناقضتين، ثم تهلك بعناد باطل تزعمه ضروريا لنفسك على أن يكون كفكرة فقط وأما كعمل فلا، على حين هو واقع عملا فقط وأما كفكرة فلا ...

ويحك يا من يزعم لأحد الشاطئين رجلا يمشي عليها؛ ليتخلص من مقابلته الشاطئ الآخر ، ومن تقييده بمضادته وممادته على مداه! أرأيت ذلك يكون قبل أن يكون للبحر الذي بينهما جناحان فيطير من بين شاطئيه ...؟

ويحك! فما معنى الهجر والمراغمة عليه، ولم يطر من بينكما الحب؟ •••

أتجنبها وهي في وجودي، وأحطم بعقلي هذا الفؤاد الشعري الرقيق الذي بين جنبي، وأتخذ لها في نفسي من الهجر اسما جافا يابسا كاسم الحطب، وهي باقية زهرة هذه النفس!

إن هنا وهناك وهنالك ثلاثة مواضع للغيظ وللكمد، ولكنها أيضا ثلاثة مواضع؛ لعظمتي وسموي. إنه لا صلح لقلبين لم يصطلح فكراهما ...!

أوراق الورد · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ٦١