تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سبحانك! إنما هذه الأمراض مواعظ منك تعلمنا كيف نضع شهواتنا في موضعها من الضرورة، ونحصرها في حدودها من الازدراء والمقت، فلا تعدو بطبائعنا علينا، ولا تعدو بنا على سوانا، وإنه ما يخطئ امرؤ في الحياة إلا من إقرار شهواته في غير أمكنتها حتى تأخذ من عقله، وتنال من رأيه، وتجور على حواسه، فيقلبها ذلك من أن تكون حركة في الحياة إلى أن تصير الحياة كلها حركة من حركاتها: وحينئذ لا تكون الشهوات إلا أكثر مما هي، فتقتضي أكثر مما تستحق من الجهد والعمل الإنساني؛ ولا تكون الحياة إلا أحقر مما هي، فلا تخرج إلا أقل ما يمكن أن تخرجه من القيمة الإنسانية.

سبحانك اللهم! إنما هذه الأمراض في الدنيا بعض مواد البحث الفلسفي العميق لدرس أساليب الطبيعة البشرية، فكم من «عملية جراحية» في طب الناس هي الحقيقة «عملية حسابية» في وزن هذه الطبيعة وتقديرها، وكم من أنة وجع في المرض وهي نفسها كلمة عتاب بين الطبيعة والنفس ... وكم من ضجعة للداء هي في الواقع نهضة للأخلاق من ضجعتها.

سبحانك ولك الحمد إن ساعة النجاح، وتحقيق الآمال، وانتعاش الحظ، وتبديل صورة من الحياة بحياة غيرها تكون أسمى وأكمل ... وساعة الغنى وإقبال الدنيا ومسالمة الأيام، وتزيين الحياة بحياة أجمل منها وأبدع، وساعة الحب وفيضان الجمال على النفس، ونسيان الحياة بالحياة التي هي أمتع منها وألذ - كل هذه الساعات لا تعد إلا دقائق وثواني من السعادة إذا اتفقت بعد المرض ساعة الحياة ساعة رجوع الصحة!

| يوم النوى

يا ظلة الموج يطغى البحر منتفضا

بها، كأن جبل في البحر يقتلع

تظن زلزلة في الماء قد جلست

أو لا، فزوبعة في الماء تضطجع

تقلقلت، فاستطارت فانثنت، فهوت

فأطبقت، فارتمت كالرعب تندفع

على غريق بحبل الماء معتصم

والحبل في لمسات الكف ينقطع

له بقية روح في أصابعه

ينازع الموت فيها وهي تنتزع

بين الحياة وبين الموت مرتكس

1

يقيئه البحر أطوارا ويبتلع

أذاك أعظم هؤلاء في فجيعته

أم المحبون في أحبابهم فجعوا؟ •••

يا لطف نفسي للعشاق! تحسبهم

يوم النوى نزعت من قلبهم قطع

الحب قاتلهم بالصبر إن صبروا

والحب قاتلهم بالهم إن جزعوا

إن ودعوا ذاهبا لم تلق حزنهمو

من أنه سار، بل من أنهم رجعوا

ربي، متى تهب الأحزان مخترعا

في هذه الأرض للنسيان يخترع؟

| الهجر

«ولما تهاجرا كتب هذه الرسالة

1

فيما كتب لنفسه»:

رسم الماضي من الحب صورته في نفسي، وأتى الهجر يمحوها، ويرسم غيرها، ففيما يثبته، ألم الأيام المكروهة تأتي؛ وفيما يمحوه، ألم الأيام المحبوبة تذهب، ومضى الزمن الذي يومه ساعة، وجاء العهد الذي ساعته يوم وأيام، وانقضى عمر الحقيقة، وبقيت من الحادثات كأنها قبر من اللغة قد أنزل فيه تاريخ حب مات!

وكما ينزع المرض عافية لبسها الدم، نزع الهجر أيام قلبي، وتركني في أيام كأنها من غير زمني، ووضعني منها في حياة كأنني لا أحياها، وانتهى بي إلى حالة كأنما وقفت الحياة عندها، وقالت لي: سر وحدك وعش في آلامك لا في!

هي حالة النار التي كانت مشبوبة، وتهم أن تخمد فتقول للأثر الذي تخلفه: عش وحدك يا رمادي ...!

أما إني مثلك يا رماد الجمر: قطعت حياة اللهب والشعاع إلى آخرها المنطفئ ... •••

أية عاصفة احتملتني من أيام الشمس وليالي القمر، وألقت بي في هجر منقطع كليالي القطب المضيئة بجبال قائمة من الثلج كأنها شموع تنير في ذلك الهول المحيط بها؛ إذ لا تظهر فيه النجوم على سمائها إلا كحصى من الجليد، ولا تمر الشمس هناك في أفقها إلا وهي ترتعد من البرد؟

كان الجو العاصف كلمة غضب صغيرة، ولكن أرادها قلبي بمعنى، وأرادها قلبها بمعنى غيره، فلم يبق للكلمة على ما أردت وأرادت لا معنى في نفسها ولا معنى في نفسينا، وبطل منها عمل اللغة فإذا هي قدر عات لا زمام لنا من الفهم على جمحاته.

أوراق الورد · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ٦٠