لا تزال الكلمة كلمة من اللغة حتى تقوليها أنت، فإذا هي كلمة من الفن؛ وإذا فيها ذاتية وحياة ولها تاريخ؛ ولو بمرورها من شفتيك!
أنا أخطأت لأني لم أخطئ ... فهي كلمة حب من معناك أنت لا من معنى الخطأ اللغوي، ولذلك أقرها، فإذا قلت لك، نعم تجيء هكذا: هل ترضيني؟ نعم أرضيك! ألست تطيعني؟ بلى أطيع! هل تتذلل؟ نعم أتذلل! هل أخطأت ... نعم أخطأت!
وأرضيك، وأطيع، وأتذلل: كلها بمعنى أحبك أحبك أحبك!
فما رميتني بخطأ، ولا أجبت بإقرار، ولا بقيت للكلمة عقدة تمسكها في معناها، ولو رأينا لرأينا الحب يضحك في هذه اللفظة بمقدار ما تعبس فيها اللغة! •••
وكلمات الحب كلمات يتغير عليها الحس فتفهم على أوجه مختلفة، وتشاكلها معان كثيرة؛ وكأن طريقة قولها تخلق فهمها، فما هي من عالم اللغة بل هي من خاصها؛ إذ اللغة بين أهلها جميعا، وهذه بين اثنين خاصة، واللغة ألفاظ مفسرة بما تلبسه، وهذه تفسر بما يلبسها، واللغة تشير إلى الموجود؛ إذ لا يراد بها إلا التعبير للفهم، وهذه تشير إلى غير الموجود أيضا؛ إذ تريد مع الفهم العاطفة، ولا بد أن يعطى فيها القلب إرادة.
ورب كلمة ينبذها إنسان لإنسان فإذا هي على قلبه كالريح السافية تعقد في الظهرة ضبابا خانقا من تراب الأرض ... فإذا ما لفظها حبيب لحبيبه نسمت على قلبه كرويحة الفجر في ضباب من الطل والندى، على حديقة ملتفة؛ إذ كانت هناك في منطقة اللسان، وكانت هنا في منطقة القلب، وكانت ثمة في جو من عداوة قائلها، وكانت هنا في جو من حب قائلها! •••
أنت علمتني بحبك أن هذا الكون على اتساعه موضع خاص بقلبي وحده، فمهما اتسعت اللغة في مذهب تعبيرها ففي قولك إني أخطأت معنى خاص بي وحدي يا حبيبتي ...
وأنت أريتني أن الجمال هو تصوير الحياة بك، فكلامك لي هو تصوير اللغة بك وحدك أيضا يا حبيبتي ...
وإذا ابتسمت وقلت إني أخطأت، فتلك ألفاظ متبسمة من دلالها، وإذا عبست وقلت إني أخطأت، فتلك ألفاظ متعنتة من دلالها، إذن فاعلمي أن في كلمات غضبك معنى كذلك أراه لي وحدي يا حبيبتي ...
وكلام الكبير مع الطفل يكون بلغة واحدة وهو في الحقيقة بلغتين لمعنى عاجز في الطفل،
1
وكلام الحبيب مع المحب بلغة واحدة هو كذلك بلغتين لمعنى قادر في المحب. فالمعنى المفهوم من إحدى اللغتين في قولك إني أخطأت، هو يا حبيبتي لي وحدي، وكما أفهمه أنا وحدي ...
وإدلالك علي برهان خاصيتك مني، فلم لا يكون اتهامك إياي برهان خاصيتي منك؟
سأتذلل لك يا حبيبتي، وسأرضيك وسأطيعك و ... سأخطئ ...!
| قلت وقالت1
قطرات الماء القليلة جدا إذا أصابها الظمآن الذي بلغ به الظمأ جفاف الروح، تحولت في تسعير خياله والتضرم على كبده قطرات من اللهب الأبيض ... وكذلك في ظمأ الحب، فإن القليل جدا مما يداوى به الحبيب، هو الكثير جدا مما يمرض به المحب ...! •••
قالت له: اغضب ما وسعك من الغضب وما وسعت منه، فإن غضبك هو نفسه من مقاييس الرضا! ألم تر إلى الحريق في البرق، وإلى الصواعق في الرعد، أذاك من امتلاء السحاب بالنار أم من امتلائه بالماء؟ •••
الحب أن يخيم جو موسيقي على بعض أيام العمر؛ ليتم فيه الانسجام بين نفس عاشقة وصورة جميلة، إذ لا بد لانسجام الجمال في الحب من أن يكون المعشوق عند محبه في مثل تناسق اللحن الفني لا يخرج منه شيء عن الوزن والطرب، فإذا كانت العمر صفحات مكتوبة فأيام الحب الصفحة المكتوبة بعلامات النغم، لا يقرأ شيء فيها إلا لحن ورن ورجع وصلصل.
2 •••
وتعاتبا مرة فغضبت، فقال لها: فلنفترق، فما في الغضب من شيء إلا أنه عناد الموقف، إن الموقف بين متكلمين أو متساجلين هو موقف حي، فما أسرع ما يثب القلب إلى القلب في لفظة غاضبة، فإذا اللفظة من ذلك كأنما ملأها الدم، ومثلتها الحياة فأصبحت شخصا غير الاثنين لا يبالي بهما نفعا ولا ضرا!