تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنت اثنتان عندي، وليس في يدي من واحدة شيء، وإذا كثرت الآمال؛ لتكثر حسرات الإخفاق عليها، فلماذا لا تقول إن الأمل هو الاسم الصحيح للخيبة؟

إنك لي كالرؤيا من الرؤى السماوية، فالتي هي أنت ليست في التي هي أنت، وبذلك فالتي أحبها فيك لا يمكن أن أجدها فيك،

10

كأنما نتلاقى في عالم بعيد من وراء ظواهرنا.

كأنما قامت منا في الحب حدود دولتي، فلن يتقدم حد منهما إلى حد ويكون بينهما سلم، ولا سلم إلا في هذه الوقفة الثابتة، ولا إخلاص ولا محبة ولا ثقة إلا أن يدق مسمار الزمن في كليهما فإذا هو من الآخر بعيد على قرب قريب على بعد!

11

كأننا نعيش في أمس، يجيء يلبس كل يوم من أيامنا لا قوة تناله فتنزعه، ولا قوة تناله فتبليه، فما تزال تتجدد من تحته أيام الحب في سر منا، ونعطي كل يوم عالمنا، ولا نأخذه، ولا نتلقاه!

كأننا في يوم هجر خالد علينا، فكل ما يأتي بعده من الأيام ميت فيه لا محالة؛ إذ أيام الحب إنما هي بنسبتها إلى الحبيب لا إلى الزمن.

كأن هذا الحب قد ضرب بيننا وبين الحقائق بسور ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبلة العذاب، فكل ما رأيناه رأي العين من فرح الأشياء ولذاتها، علمناه في علم أنفسنا أوجاع مكابدة وآلام حرمان ...! •••

فأضجرت فلسفتها هذه الفسلفة، فقالت وابتسامتها ظاهرة على قولها: وأما قبل؟

12

قلت: وأما قبل فكأنما أنا المكان الحي الذي تئن فيه الأشياء أنينها الباكي، وتبتغي فيه موسيقى الحب من أوتار متقطعة متبعثرة إن جاءت بشيء فبأنغام موتى أو مرضى، وإني لأحسب الدنيا كلها تصدح من حولك تلقين فيها النغم، ثم لا تحبسين الصمت إلا لي أنا وحدي.

قالت: أف للشاعر من الشاعر نفسه! أنت كما تريد من الحياة مسرة لابتسامك تريد منا آلاما لعبوسك الشعري، وإذا لم تجد الألم أوجدته واخترعته، كأنه لا بد لمن يصنع شعرا أن يصنع مقادير يفرح بها ويحزن!

ما أراني أفهم عنك حين تقول: السماء والطبيعة وهي، والشمس والقمر وهي، والخير والشر وهي: فأنت وحدك تفهم هذا؛ لأن للشعراء شياطينهم، فلك مثلهم شيطان يحدثك وتحدثه، وترى ما اسمه.

قلت: اسمه «هي» ...

وكأنما كان الشيطان غائبا في سفر طويل، ورجع عند ذكر اسمه، فلما رآها هي اسمه ألقى فيها سحرا من سحره فإذا على ثغرها برهان ثغرها ... وقالت: اسكت!

قلت: لقد عرفنا الشيطان باسمه ...

قالت: اسكت!

قلت: ما يسكتني ولا الشيطان نفسه.

فمدت إلي نظرة طويلة كلها براهين على قوة هذا الشيطان الفاتن، وقالت: اسكت اسكت!

ثم لا أدري ما الذي أسكتني حينئذ ... أحسب أن الشيطان سد فمي بفمه! ... •••

آه! وأنا حين أقول آه! أحسبها شعلة تتلوى ذاهبة ممتدة في قلبي!

آه! وأنا حين أقول آه، أشعر أن قلبي يمدها طويلا طويلا؛ لتصل إلى قلب آخر!

آه! وأنا حين أقول آه، أراني بعدها كأن روحي طارت إلى آخر مدها ووقعت، آه!

| هل أخطأت ...؟

قالت له يوما في أمر من الأمور: «قد أخطأت!» وغضبت أو تغضبت ... فكتب إليها هذه الرسالة:

لقد قلت يا حبيبتي إني أخطأت، ورميتني بها كلمة مقفلة لا منفذ منها ولا مخرج، ولا أدري والله كيف أخطأت، ولكنك لما قلتها وتغضبت فيها وتعتبت لها أثبت في الكلمة معناها ...

ولو أني راجعتك في ذلك مئة مرة، ولكل مرة برهان، ومع كل برهان اقتناع، لما استطعت أن أنتزع دلالك أو نعتك من هذه الكلمة. فأنا بدلالك أخطأت لا بعملي، وبرغبتك في الإساءة إلي قد صرت مخطئا لا بإساءتي، والتهمة ثابتة عندك لا بواقعة ولا دليل، ولكن بثبوت حبي لك ...!

ولقد نظرت إليك حين قلتها ونظرت إلي، فكانت شفتاك تتهمان، وعيناك تعتذران، وكان لساني يعتذر، وعيني تتهم، وكانت الكلمة نفسها تكاد تقول: ما جئتك لأدل على معنى وقع منك أنت؛ بل على معنى وقع فيها هي ...

وقد اعتدت منك في بعض حالات قلبك أن لا تضعي المعنى في اللفظ الذي هو تعبيره، بل في الذي هو تعبير ما بيني وبينك، فمعنى قولك إني أخطأت، يجيء في تعبير آخر كأنك تقولين: تذلل لي. •••

أوراق الورد · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ٥٣