فاستضحكت لهذه الفلسفة، وفكهت لكلامه - وما يعجبها شيء ما تعجبها المعاني - ثم قالت: إذن يمكن الاتفاق، وتقرير الأمر مع الكلمة. أي مع الشخص اللفظي الغضبان لا معك أنت ...! •••
وقالت له في أمر: أنا راضية بحكمك فاحكم.
قال: قد عرفت الحكم ولم أنطق به ...
قالت: فهل الحكم عطر في منديلك أعرفه من الهواء؟
قال: بل عرفته بنفسك الرقيقة الملهمة: وأما والله يا حبيبي لو كنت محامية؛ لسرقت من أدمغة القضاة أحكامهم ...
قالت: منزلة رفيعة، ولكنها على سرقة وتلصص.
قال: يا عزيزتي، يلذ لي أنها سرقة؛ لأتخيل لها قانونا ومحكمة وقضاة.
قالت: ثم ماذا بعد قانونها ومحكمتها وقضاتهم؟
قال: أرافعك إلى تلك المحكمة، وأتهمك بتهمة سرقة قلب ...! •••
الحب طفولتنا الكبيرة كل ما تملكه أن تبكي وتضحك وتمكر وتنافق، ومعنى ذلك كله أريد أريد! ولو أمكن أن يكبر الطفل، ويبقى طفلا؛ لكان هو العاشق بذاته، ولكان حبه لأمه وأبيه مضاعفا عند السنين التي كبر فيها - هو العشق بعينه! •••
الدموع أوهى من أن تهدم شيئا، ولكنها تهدم صاحبها! •••
الدموع هي روح المحيط السماوي، ألا ترى أنها لا تسيل إلا مع الأقدار؟ متى نزل القدر نزل الدمع. •••
المعنى الذي يكون في النفس أكبر من الكلام في الحزن، والفرح هو وحده تعبر عنه النفس بدموعها. •••
سألها مرة: ماذا يقول البحر لو سقطت فيه دمعة من مهجور؟
فقالت إنه يقول: إنسان أحمق أو مخبول يحاول أن يجعل له بحرا من قطرتين ...
قال: أراك يا فيلسوفتي لا تفهمين لغة الوجود!
قالت: فما ترى أنت؟
قال: إنه يقول عندئذ: تباركت يا رب! أنا الجبار المالئ ثلاثة أرباع الأرض، قد آلمتني دمعة محب متألم؛ فهل هو يحمل ثلاثة أرباع الهم في الأرض! •••
في نوح اللحن الشجي صورة الدموع التي في أعيننا، وإذا حن كانت فيه شهوة نفس، وإذا جنح إلى الطرب كانت فيه رغبة واقعة، وليس في الكون ما يجمع هذه الألحان الثلاثة المتباينة في صوت واحد إلا زفرة الحب يأسى العاشق ويحن ويطرب فيقول: آه ... •••
لو سألتني: من أعظم أهل الفنون على وجه الأرض؟ لقلت لك: كل حبيب جميل هو في عين محبه أعظم أهل الفنون؛ لأنه في نظر هذه العين هو وحده الذي يخلق الجمال الحي الرائع، ويضع معناه في كل ما يتصل به، حتى لكأن جماله تفرق على أجزاء العالم، أو كأن أجزاء العالم التفت على جماله. •••
وقالت له: أنا لا أشفق على آلامك! وهل تراني أكره لك النبوغ والعبقرية؟ إن الألم في رجل الفن العبقري إنما هو (عملية) التصوير والطبع في مخيلته؛ فمواهبة الحساسة تحزن الوجود في، وكلما رأى جمالا أو قبحا أو سرورا أو حزنا غمرته؛ ليتألم بمعنى ما رأى، وحكمة ما أبصر؛ لأن جهة الفن في كل شيء هي معناه وحكمته، فيتألم، فينطبع المعنى، فيكون في المخيلة مادة من مواد العمل الفني حين يعمل، فذلك ليس ألما في إنسان كما ترى، بل هو أداء طبيعي في أداة حية متخذة لهذا العمل خاصة، ميسرة له بكل حوادثها؛ ومن هنا فلا رحمة ولا مهاونة فيما يؤلم رجال الفن؛ إذ لا تعرف منهم الحكمة التي خلقتهم إلا آلات، آلات يجب أن تعمل حتى تتلف أو تتحطم ...
تزداد الجميلة إشراقا وجمالا بالحب؛ لأن أثر نظرات محبها يلازمها، حتى إنها لتحس في غيبته كأن نظره واقع عليها من عينه لا من فكرها، وبذلك تتجرد معانيها النسائية علمها الفني وتدأب عليه، فلا تزال تجعل وتحسن ما دامت محبوبة معشوقة. •••
الحب إيمان النفس بكائن طاهر، والدين إيمانها بكائن خفي، ألا يكون ذلك أسلوبا في الطبيعة؛ لحفظ الإيمان في الإنسانية؟
3 •••
أشعر أحيانا كأنه ما من رجل في العالم يحب امرأة إلا ألم بحسي شيء من لذة هواه، فإن لم أكن أنا العالم كله فلقد جعلت حبي هو الحب كله! •••
أنت في، وأنا أنظر بك إليك، هذه هي المشكلة التي جعلتك لغزا لا حل له، فما أقرب الحب من العبادة، ما دام هذا الحب هو تجلي نفس في نفس، وما أشبهه بدين يعبد فيه الجسم الجسم، فالمعشوق حالة نفسية متألهة معبودة، والعاشق حالة أخرى متولهة عابدة! •••