تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بذلك لا يفهم هذا الحب إلا في أسلوب ملتو؛ لأن له طرفا غائبا وراء النفس، كالعود من الأعواد غمس أسفله في الماء فلا يتراءى للعين في صفحة الماء إلا ملتويا متثنيا، لا بعمل من ذات نفسه، بل بموضعه، وبتأثير أحكام الضوء في موضعه.

والحب يشبه ألوهية دون حدها، فهو بهذا مفهوم غير مفهوم، ويشبه إنسانية فوق حدها، وهو بهذا أيضا مفهوم غير مفهوم، ولا نراه أبدا إلا مصرحا غامضا. إن صرح من جهة الحاسة غمض من ناحية الفكرة، وكل دونه هو في النفس يأتي من بعده في الموضع والقيمة والاعتبار؛ لأن في الحب وحده المعنى الأكبر للحياة في وهم المحب، على حين كل ما في الحياة هو في الواقع أكبر منه، ولن يعيش من لا يأكل ولا يشرب، على أن من لا يحب نراه يعيش.

5

قالت، وضحكت: بذلك لا يفهم الحب، وبذلك استطعت أن تجعل لغتك هكذا ...

قلت: وبذلك أيضا استطعت أنت أن تجدي مخابئ لغوية كثيرة تخبئين فيها الكلمة التي تريدين النطق بها ولا تنطقينها، فصارت لغتك عندي تفسر من معجمات كثيرة: من نظرة والتفاتة وخطرة وحركة، ومن شيء ومن لا شيء، وتقولين الكلمة بما شاء دلالك من أساليبه الكثيرة، إلا بأسلوب النطق كأنها تراغمك على أن تظهر وتراغمينها على أن تختفي. أتعلمين أنك كالدولة من الدول العظمى، حاشدة كل وسائل الحرب، معدة لها في كل وقت، فهي بذلك ظافرة غالبة من غير حرب، كأن وسائل الحرب تقاتل من غير أن تقاتل؟

6

قالت: يا ويحك! فإذا قبلت منك أني دولة عظمى، فكيف أقبل أني «أكاديمية» عظمى ... حتى تجعل لي معجمات كثيرة؟ وترى ما الذي يمكنك أن تفسره من معجماتي؟

قلت: يا ويح غيرك!

7

أمكنني يا جبارة المستحيلات ما أمكن الغزال من جبار الممكنات ...

قالت: أسألك عن مستحيلاتي، ولكن ما هي ممكنات غزالك؟

قلت: إن غزالي هذا كان فيلسوفا لا يصدق إلا ما يقره، ولا يقر ما لا يمتحنه، على طريقة الفيلسوف (كانت)

8 ... ولم يكن رأى سبعا قط، وهولوا عليه في أوصافه ورهبته وسطوته، فلم يصدق شيئا من ذلك إلا أن يراه ويدرسه درسا تحليليا، كما تسمين أنت كلامك وفلسفتك. قالوا: فأطال الغزال الفكرة في ذلك، ودبر أن يلقى الأسد ويدرسه. ثم إنه قسم الدرس إلى أعمال خمسة على هذا النسق: فالأول: أن يتجسس مخالب السبع، ثم يعجمها، ويدق عليها بحجر؛ ليعرف مبلغ صلابتها، ويقف على سر تركيبها ... والثاني: ألا يكتفي بمثل هذا الصنيع في الأنياب؛ بل قرر أن يحطم واحدا منها ... ليعلم ما سر قوتها ومضائها، والثالث: أن يتناول عضلات الأسد في زوره ورقبته وأعضاده فيغمزها غمزا شديدا؛ لعلها من ورم أو شحم وما يدري الناس، والرابع: أن يجيء بالموسى فيحلق لبدة الأسد فيكشف عما تحتها، ويرى منظره وقد عري منها، فلعلها من شعوذته في القوة واحتياله على مظهرها ورهبتها، والخامس: أنه متى فرغ من كل ذلك حملق في عيني الأسد، ودرس ذلك اللمح المخيف من شعاعهما، فإن لم يبلغ من ذلك ما أراد علمه وفلسفته اقتلع إحداهما وأسالها، وبحث فيها ما شاء!

قالوا: ولما جاء العرين، وأصبح من الأسد بمرصد، وهبت رائحة لحمان أجداده ... قال: النجاة النجاة! ما هذا بالذي خلقت له فلسفة رأسي، ولكنه الذي خلق له عدو ساقي ... ووثب يشتد مع الريح.

9

ولكن آه من تعقيد الحب، إن الفيلسوف المتهزم الآن هو الأسد بلبدته وأنيابه ومخالبه، وبكل ما هو به أسد، والمنتصر هو الغزال بلينه ونعومته وبعينه الكحيلة، وبكل ما هو به غزال!

قالت: آه! ولم تزد. •••

قلت: آه! أنت يا حبيبتي في، وأشعر بك دائمة الاندفاق والانصباب في نفسي، كأنك جمال لا ينتهي، وكأني عشق لا يمتلئ، وأنت خارجة عني وبي شوق دائم النزوع إليك، يخيل إلي والله أنه ملء الكون لا ملء صدري: وأنه لا يزال شاردا متسحبا على الوجود كله لا يجد ما يستقر عليه، مع أنه واجدك، ومع أنه حائم عليك، وما ذلك إلا لأنك دائمة الدلال، أي دائمة الانحراف عن لمسات قلبي، أي دائمة الاهتزاز بمعانيك الجميلة، كيلا تثبت صفة منك على صفة مني، كيلا نتعانق حتى ولا في المعاني.

أوراق الورد · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ٥٢