تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن كان قلبك يا سيدتي غير القلوب فما نحن شيئا غير الناس، وإن كنت هندسة وحدها في بناء الحب فما خلقت أعمارنا في هندستك للقياس، وهبي قلبك خلق «مربعا» أفلا يسعنا «ضلع» من أضلاعه، أو «مدورا» أفلا يمسكنا «محيطه» في «نقطة» من انخفاضه أو ارتفاعه، وهبيه «مثلثا» فاجعلينا منه بقية في «الزاوية» أو «مستطيلا» فدعينا نمتد معه ولو إلى ناحية ...!

ما بال كتابنا يمضي «سؤالا» من القلب فيبقى عندك بلا «جواب» و«نبنيه» نحن على «حركة» قلوبنا فتجعلينه أنت «مبنيا على السكون» ثم «لا محل له من الإعراب» ... وما بالنا نقطع في انتظار الرد مسافة من هجرك لو طار فيها البريد؛ لانتهى بكتب الحسنات والسيئات إلى السماء، ولو طاف الأرض؛ لتقدم حتى لا يبقى في الأرض أمام، وتأخر حتى لا يبقى من الأرض وراء، فإن كنت تضنين أن توجهي إلينا من عرشك خطابا، أو تنزلي علينا من سمائك كتابا، فقد أقفل باب النبوة من قبلنا فما هذا الباب، واحتجب الوحي من زمن بعيد، فيا سيدتي ما هذا الحجاب؟

لعلك تخشين إذا جاءني كتابك الكريم أن يزعم الناس أن «جبريل» أصبح في الأرض من سعاة البريد، وأن السماء عادت تشرع لأهل الأرض فجاءت فلانا من فلانة بكتاب جديد، ... أم لعلك تخافين إن تحرك في يدك القلم الأعلى أن يتحرك به القدر العاجل فلا يحتمل التأجيل، ثم يجيئني كتابك فتقوم قيامة العالم المسيحي؛ لأن هذا الكتاب صفحة ناقصة من الأناجيل ... .

2 •••

لقد هممت أن أعاقب القلم الذي كتبت به إليك فأحطم سنه، وأجعله من ناحيتي في خبر (كان) حتى لا يبقى من ناحيتك في خبر (إنه)، وقلت: كف - ويحك - سودت وجه صحيفتي بما هو في سواده مداد مع المداد، وفي نفسه سواد أقبح من السواد؟ فقال: وهل أنا في (نغمات) حبك إلا «عود»، وهل صورت إلا حركات وجدك من قيام وقعود، وسل الدواة من أمدها، والصحيفة من أعدها، وسل أناملك كيف كانت تضغط علي كأنها تسلم على الحبيبة سلاما، ولا تخط إليها كلاما، وسل نفسك كيف كانت في حركتي تضطرب، وقلبك كيف كان من كلمة يبتعد وفي كلمة يقترب؟

فما ندري يا سيدتي وقد أحببناك أنعدك في ذنوب الزمان أم في أعذاره، وهل نأخذك في الحب من وقائعه أم في الجفاء من أخباره؟ فإن أبيت أن تكوني منا إلا كالسماء من أرضها، وأن نكون منك إلا كالسنة من فرضها، وأبيت وأنت «مفرد» الحسن إلا أن نعدك أنت وكبرياءك «مثنى» بألف ونون، وإلا أن تكوني على غير ما نريده، ثم لا نكون إلا كما أردت أن نكون، فإذا خاطبناك قلنا يا فلانتان ... ويا أيتها الحبيبتان، ويا غضباوان وراضيتان، وأنشدنا في هواك: «ولو كان هما واحدا ... ولكنه هم وثان ...»

3

وإن أبيت إلا ما نأبى، ولم ترضي مع صدقنا في حبك إلا كذبا، قلنا لك بلغة اليأس منك: لشد ما أصاب الزمان فينا وأخطأ، فليصب بك أو فليخطئ، وكثيرا ما أعطانا الدهر وأخذ، فلتكوني فيما يأخذ أو يعطي، ونقول: مع الذكر نسيان، وما عسى أن ينقص العالم بإنسانة أو إنسان، ومن ظن «بصرفنا» عن نفسه أنه كبير، جعلناه من «نحونا» في باب «التصغير»، ومثلنا لا يتكلم إلا بفائدة، ولا يسكت إلا بفائدة. فإن أخطأنا معك في واحدة أصلحناها واحدة، وما أكثر ما يجد الكاتب إذا عز عليه أن يعاتب، وفي ذكائك لا محالة، بقية الرسالة.

ولعلنا ولعلك ... والسلام!

| في الأحلام

نصبت لي في الكرى حباله

اصطاد صيدا من الصور

رأيت جسمي انتهى لحاله

تضيء كالشمس والقمر •••

فطرت في النور أجتليه

محاسنا تملأ السما

ولا ضوء بلا شبيه

إلا حبيبي تبسما

فقلت: هل بي يا قلب فيه

لعلني أطفئ الظما •••

ناجيت قلبي بذي المقاله

فدمدم الأفق بالشرر

صرخت: ما للفضاء ما له

فقال: في قلبك الخطر •••

يا أفق هل خفت من شراره

تحت الضلوع اسمها الفؤاد

أم سعر الهجر فيك ناره

توقد من يابس الوداد ...

أوراق الورد · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ٤٨