تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هلمي يا حبيبتي، فإننا تحت هذا الليل نهار مع نهار في عالم بعيد عن الأشياء، وبعيد حتى عنهما ...

هلمي، فإننا الآن في جسدين روحيين لا تحدنا الحدود، وهذان الجسدان النائمان هما هم التراب الذي كنا فيه، وهما قذى المادة، وهما الخصمان، لا نحن، فهلمي يا حبيبتي ... •••

وقالت نفسي لنفسها: وهلمي يا حبيبتي، فاجعليني في روح شبابك الذي ألبسني الضنى على أنه لو نقل إلى الأجسام لأحيا الموتى.

هلمي فضعيني في أشعة الخلود من نظرات الرضا التي في عينيك؛ لأقوى على هذا الفناء الماحق من هجرك، فإن قربك ليس قربا بل هو إعطاء، وبعدك ليس بعدا بل هو سلب!

هلمي فارفعيني بقوة منك على قوتك الأخرى التي تهلكني بالخضوع والصبر.

هلمي فلنصالح بين الكلمة ومعناها، فإن هجرك هذا فرق بين ألفاظ الحب وأرواحها، فمسخها كما هي في كلام، وأنا أريدها كما هي في الحياة، وهل تحيا كلمة القبلة في القاموس أم في شفتيك؟

هلمي يا حبيبتي، نرتفع فوق دنيا الحزن والألم ولو ساعة ليست في ليل ولا في نهار، بل في وفيك: ساعة ليس فيها ستون دقيقة في كل دقيقة ستون ثانية، بل فيها ستون عناقا في كل عناق ستون قبلة، فهلمي يا حبيبتي ... •••

عاد الحب أكبر من كلمة، ورجع الرضا أكثر من ابتسام الشفتين، وصارت الأذرع حدودا

3

بعد أن كانت على فضاء وفراغ، وحيا طيفها وسلم.

حيا وسلم ثم صافح تاركا

يده على الكبد التي أدماها

وأتى ليعتذر الغزال، ولجلجت

كلمات فيه،

4

ففي فمي أخفاها

ودنا ليغترف الهوى، فتهالكت

أسراره، فرمت به فرماها ...

قلب الحبيب متى تكلم لم تجد

كلما، ولكن أذرعا وشفاها ... •••

وانتهى حلم الصلح لتوه لحظة شعرت أنه ابتدأ ... فلم يكن هذا الحلم إلا «عملية» حب جراحية مؤلمة في القلب الذي كاد يبرأ وينسى ...

كانما طفئت من الهجر مكواة كانت محماة على كبدي، فجاء طيفها بما معه؛ ليضع مكواة غيرها ...!

وأصبحت - والله - أعتقد أن الشيطان لي خلق مضاعفا لما خلق إلا امرأة معشوقة ...!

| في العتاب

«وكتب إليها مرة كتاب هوى، فتفترت في الرد عليه تريد أن يطول به الانتظار فيؤلمه، أو تريد أن تزيد به الشوق فيؤلمه، أو كأنها تطمعه بألا تطمعه ليتألم»!

فلما انتهى فيه دلالها إلى الضجر، كتب إليها هذه الرسالة يؤلمها بها، وجعلها على طريقة السجع التي كان يتراسل بها فحول الكتاب في القرن الرابع للهجرة وما بعده؛ لأنها هي تكره هذه الطريقة، وتجد لها ألما في نفسها، ولذلك مضى بها مسجوعة إلى آخرها؛ ليبالغ في إيلامها، والتهكم بها وبلفسفتها، وردت في الرسائل بكل ذلك إرادته على إرادتها، وهذه هي الرسالة»:

1

كتبت إليك من أيام يشفع لها قربك من نفسي فلا أقول إنها بعيدة وتمر قديمة، ولكن ما في النفس منها ومن آلامها يجعلها دائما جديدة وكأنها تجري بي إلى الفناء فهي تطول إلى غير حد، وتأخذ معنى اليأس الذي يمضي به الأمس فتلقي به في معنى الأمل الذي يأتي به الغد، والأيام تعد بالأرقام، ولكنك أنت جعلت هذه الأيام تعد بأنها لا تعد ...

وانتظرت رد كتابي، أو ورقة من شجرة عتابي، فما زالت تتقطع الساعة من الساعة، ويلتقي اليوم باليوم، ويذهب اللوم إلى العتاب، ويجيء العتاب إلى اللوم، وكتابك على ذلك كأنه مغمى عليه لا هو في يقظة ولا هو في نوم ...

فسبحان من علم آدم الأسماء كلها لينطق بها، وعلمك أنت من دون أبنائه وبناته السكوت ...، والسلام عليك في أزلية جفائك التي لا تنتهي. أما أنا فالسلام علي يوم ولدت ويوم أموت!

ما هذا يا سيدتي، وليس خيط عمري في إبرتك، ولا ما يتمزق من أيامي تصلحه «ماكينة الخياطة» بقدرتك، وإن كنت أنا أقل من (أنا) فلست أنت بأكثر من (أنت)، وما علمنا أنك مع القدر تحركت، ولا مع القدر سكنت!

أتحسبينك لما خفت (المحاكم)، في قتلي جعلت تقتلين بهجرك أيامي، ولما عرفت أنك من أشد سروري أردت أن أعرف كذلك أنك من أشد آلامي؟ أم أنت في نورك وظلامك تريدين أن تنقصي من الأعمار، كما ينقص منها الليل والنهار؟ أم تحسبيننا خلقنا بهذه الرقة؛ لنعرف بها كيف يتحجر قلبك ويجمد، وأنبتنا الله في مزرعة العمر؛ ليجيئنا منك صاحب المزرعة فيحصد؟ أم أنت خلقت في يد الله إرادة ماضية وخلقنا عليك اتكالا، وجئنا على الطاعة شكلا واحدا وجئت أنت من يد الله في الكبرياء أشكالا ...؟

أوراق الورد · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ٤٧