تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أم يوم حب قضى نهاره

وحل من بعد السواد ...؟ •••

فقال: وجه نرى خياله

في قلبك الحامل الضرر

ارجع فلو أن ذي «الغزاله»

تغازل النجم لانفجر

| في معاني التنهدات1

تسكن قلبي رغبة ما أراها تتحقق له فيتخلى عنها.

ولا هو يتخلى عنها إذ لا تتحق قله.

هي بعض الممكنات الخيالية التي لا تخرج أبدا من القلب، وكيف تخرج منه، ولا مكان لها في الواقع؟

القلب وحده مكان المستحيل! •••

رغبتي كأنها حكم من أحكام الشوق النافذة على قلبي.

حكم عليه بأن يظل أبدا يريد ويشتهي.

أي حكم عليه بأن يطلب ولا ينال ...

يبحث في الموجود عن غير الموجود.

يراك، ولكنه فيك أنت يبحث عنك أنت.

وأنت كسبيكة الذهب: ليس فيها موضع أحسن من موضع.

ولكن قلبي مع ذلك يظل يبحث عن الأحسن.

قلبي المسكين محكوم عليه، لا بالأشغال الشاقة، ولكن بالأماني الشاقة ... •••

رغبتي ستبقى دائما بين معاني التنهدات.

في مكان من القلب لا تتحرك فيه كلمات الأمل إلا تحركت معها كلمة آه ...!

أتدري أيها الحبيب ما هي رغبتي؟

هي أن أراك حين تتلقى رسالتي وتتلوها.

لأرى حقيقتك كيف تكون، وليس أمامك إلا حقيقتي.

ولأرى بنفسي كيف ترى نفسي مكتوبة.

ولأعرف برأي العين: أنا أرسل إليك كلماتي أم خفقات قلبي.

ولأنظر كيف تخرج لك أسرار الكلمات من الكلمات؟ لأرى، وأعرف، وأنظر ... •••

ولكن يا صديقي، لو رأيتك حينئذ؛ لكنت أنت رسالة إلي، فلا تكون وقتي إلا ورقة،

ويشغلني عن رؤيتها أني أراك،

ويصرفني عنها أني منصرفة إليك،

ويكون عقلك قد استولى على عقلي،

وتذهلني أسرار عن أسرار،

فلا أرى، ولا أعرف، ولا أنظر ... •••

ومع ذلك أتمنى أن أراك جين تتلقى رسالتي وتتلوها،

لأرى كيف تتلقاني من خيالك حين ليس معك إلا خيالي؟

ولأعرف رأي العين أن هو أي جزء منك،

وأن كلماتي هي لمسات من قلبي لقلبك،

ولأنظر كيف أكون لديك في صورة رسالة؟

وأضحك من رؤيتك الورقة وجها له فم تقبله ...

لأرى، وأعرف، وأنظر ... •••

ولكن يا صديقي، لو رأيتك حينئذ؛ لكنت أنت رسالة إلي،

فلا تكون ورقتي إلا ورقة،

وينسيني إياها أنك حاضر معي،

وتموت الكلمة المكتوبة كلها في كلمة واحدة تنطق أنت بها،

وتحول معرفة دون معرفة،

فلا أرى، ولا أعرف، ولا أنظر ... •••

إذن فرغبتي ستبقى دائما بين معاني التنهدات،

وقد تحركت الآن بكلمات الأمل،

ولكنه الأمل الخائب الذي تأتي دائما في آخر كلماته: آه. آه ...!

| أليس كذلك

نظرة حب إلى الكون

إن شيئين هما أروع ما نعرف وما نجهل؛ أحدهما: ذلك المجهول الأعظم المنبسط وراء العقل يترامى قفرا في قفر إلى ما لا نعقل من أسرار اللانهاية، والثاني: ذلك المعروف الأعظم المختبئ وراء القلب يتعمد صفة في صفة إلى ما لا ندرك من أسرار النفس.

وفي ذلك التعقيد السماوي تلتمس الروح وضوح الألوهية ونعيم الجنة الخالد، وفي هذا التعقيد النفسي يلتمسون وضوح الحب ونعيم الحبيب المعشوق.

أليس كذلك يا حبيبتي؟!

كل ما في الكون هو من الضرورات لوجود الكون؛ لأنه ممتلئ لا ينقص، وما كان ضروريا فهو مذهب واحد ليس فيه ما هو أكبر ضرورة ولا ما هو أصغر، الكبير الكبير: كالصغيرة الصغيرة، ولو أن مكانا ليس فيه نفس واحد من الهواء؛ لقتل الحي كما يقتله انتزاع كرة الجو كلها من مخارق هذا الفضاء.

1

وكل ما في الحبيب هو من ضرورات عشقه إن صح العشق، فكأنما هو يتجه أيضا مع الكون إلى اللانهاية؛ بل كأن كل حبيب في خيال محبه إنما هو الوسيلة التي استطاع الكون أن يعبر بها عن جماله لإنسان في إنسان ببلاغة تختلف مع الأذواق كما تختلف البلاغة الإنسانية، هذه يقولون في تعريفها: إنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وتلك يقول الكون نفسه في تعريفها: إنها مطابقة الشكل الجميل لمقتضى الإحساس.

يضيق هذا الكون ثم يضيق حتى كأنما يجتمع عند العاشق في المعشوق وحده، وبهذا لا تجد حبيبا إلا بلغ عند محبه ما تناهى إليه الحسن في أرضه وسمائه، حتى لهو الشمس والقمر، وكل ما جرت فيه أشعتهما من ذهب الجمال وفضته؛ وبذلك جمعت اللغات أحسن ما في الكون وأجرته في تشبيهات الحبيب، وألفت من ألفاظه لغة الحب.

أوراق الورد · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ٤٩