وكلمة الشتم من العدو تنزل من القلب منزلة الدمل يأكل موضعه ويتسع ليأكل مواضع أخرى، ولكنها من الحبيبة تضاف إلى دواعيها في القلب، فإذا هي كالورقة الجافة في شجرة خضراء ذوت هي ومنبتها حي، فما أسرع ما ترف في مكانها ورقة أخرى أزهى وأنضر. •••
الآن أذكر قولها إذ سألتني مرة: هل ترى قيمة الدينار في يد ملك أو أمير أكثر منها في يد مفلوك
2
أو صعلوك؟ وأذكر جوابي إذ أجبتها: إن الدينار في نفسه ملك يحكم الملوك والفقراء، فهذا من رعيته، وهذا من رعيته، وهو فوقهما فلا يعلو به من يعلو ولا ينزل به من ينزل، وكذلك دينار شتمها: هو على كل حال في يدي كما هو في يدها، ولو أنها جعلت قيمته في يوم غضبها مئة لعنة لما منعني ذلك أن أصرفه منها هي في يوم رضاها مئة قبلة! •••
أصحيح أن شتمها كلمة حب محترقة، وأنها عبارة ذات تأويل قبل أن تكون عملا ذا صراحة، وأنها من باب قول المرأة لمن تحبه: ابعد عني! إياك أن تصدقني وتبتعد ...!؟
ذلك صحيح لا ريب فيه، ولقد قالت لي مرة في أمر سبق إلى قلبي منه شيء فعاتبتها: إنها مسألة لا تهم.
فقلت لها: نعم لا تهم، ولكنها تدل ...!
فقالت: نعم تدل، ولكن معها الحب فلا تهم ولا تدل ...!
عندها أن الحب يغير كل شيء، وقد فهمنا من قبل أنه يغير المرأة المحبوبة في نظر محبها؛ لأنها زائدة على النساء رغباته وأوهامه، ويغير الرجل العاشق في نظر حبيبته إذ هو زائد على الناس إما برغباتها وإما بحمقه وجنونه وغفلته، ويغير الطبيعة في نظر العاشق؛ لأنها مع الحب لا ترى إلا زائدة لون النفس، والآن فهمنا أنه يغير الكلام أيضا إذا صار الكلام زائدا تفسير الحبيبة المتكلمة، وانضاف إلى ظاهره مكتمها.
وذلك صحيح؛ لأن هذه الشاعرة الفيلسوفة تشعرني في كلمتها الجافية بأثر من الرقة والظرف يدل على أن قلبها مر في بعض مواضع من مقالتها، وخفق على موضع وأن في موضع.
ذلك صحيح بلا ريب، والحب كالحرية: هذه تأتي أهلها بالثورة المدمرة وفيها أسباب من الحياة لها ما بعدها، وذاك يهدي الشتم وفيه أسباب من الدلال ولها ما بعدها!
يا صباحا أهدى الضبابة دكناء. فغطى الضياء منك
3
ظلالك أنت أهديتها، وأنت أذبت الطل منها، فتم منها جمالك ...!
| متى يا حبيب القلب
ألا يا نسيم الفجر سلم على فجري
فقد غاب في الليل الطويل من الهجر
تضيء الليالي بالنجوم وبدرها
وليل الجفا من غير نجم ولا بدر
وقفت وماذا أستطيع بوقفتي
حسيرا، وأقدار الغرام بنا تجري؟
أدور بعيني نحو كل شعاعة
على الأفق في نجم، أو الأرض في زهر
فيا ويح قلبي! ما له حن كلما
تراءى له شبه انتسام على ثغر؟
متى يا حبيب القلب هجرك ينتهي
ومن أول الأيام فيه انتهى (صبري)؟
1 •••
ألا يا نسيم الفجر إن جزت في الربى
خفيا كتسليم الحبيبة في سر ...
وقامت عذاراها للقياك تنثني
دلالا وتيها في غلائلها الخضر ...
وفتح نوار الغصون جفونه
وفيها البقايا الناعسات من السحر ...
وأصبحت كالسلوى ترفرف نازلا
سلاما على قلب الغدير أو النهر ... ... فجئني بسر الزهر والماء والندى
لعلي بها أطفي جوى الحب في صدري
| صلاة في المحراب الأخضر
شجراتي «ولما غضبت ويبس ما بينهما، ضاق بهجرها، فانصرف إلى شجرات كان يخلو إلى نفسه في ظلها ونضرتها ونسيمها وما فيها وما حولها، وظن أنها تنبت شيئا في جدب الهوى أو ترمي بظل على رمضاء القلب فكان في وهمه كالذي يحاول أن يجد نساء من الشجر ... وهناك كتب هذه الرسالة في الربيع، ثم التي بعدها في الشتاء».
لي صديقات من الشجر أعرفهن ويعرفنني منذ سنوات، وهن ينزلن مني بعض الأحيان منزلة الحب؛ لأن فيها شيئا من دلال النساء الخفرات أجد أثره في قلبي، ولا أجد برهانه في لساني، فإذا هممت أن أبين عنه وأبتغيه بالعبارة أخفته العبارة حتى لا يزيده البيان إلا غموضا وسوء معرض، ولكن إذا مضيت أفكر فيه تبينته أشد تبين فأحسست في ظلهن المستحي ونسيمهن المتنهد وغصونهن المنثنية - شمائل حبيبة إلى نفسي، ورأيت لها معاني لا تقع إلا في القلب، ثم لا تقع منه إلا في الموضع الذي مسته يوما نفحة أو قبلة أو تنهد.