تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإنما قيمة الأشياء بما فيها من أثر القلب أو بما لها في القلب من الأثر، ولرب شيء تافه لا خطر له ولا غناء فيه، ثم يكون في يد محب من حبيبه النائي أو الممتنع الهاجر فإذا هو قد تحول بموقعه من القلب إلى غير حقيقته، فأطلعه الهوى من مطلع آخر ليس في الطبيعة، فيرتفع ثم يرتفع، حتى كأنه عند صاحبه ليس شيئا في الدنيا بل الدنيا شيء فيه، ويكون ما هو كائن، ومع ذلك تنبعث منه روح ذات جلال أقل ما فيه أنه فوق الجلال الإنساني.

هذه صغائر الحياة متى خالطها أثر القلب أصبحت في الحياة أكبر كبائرها، كأن قلب كل إنسان هو النقطة المحدودة له من الكون، والكون كله مبعثر من حوله، فلا بداية لشيء ولا نهاية لشيء، ولا قرب ولا بعد، ولا صغر ولا كبر، ما يكن له قياس إلى القلب، والحب قدرة إنسان على قلب إنسان فهو من ثم قدرة على الكون المتصل بالعاشق، وهو بهذه القدرة أشبه بألوهية لو ساغ في الظن أن توجد ألوهية عاجزة عن كل شيء، إلا عن التصرف في مخلوق واحد، وهو بكل ذلك إما حقيقة كبرى وإما سخرية كبرى. •••

تقوم شجراتي على مسيل من الماء في قاصية بعيدة عن المدينة، وتراهن فوق الماء صفا إحداهن إلى إحداهن كأن هناك بقعة من الجنة قامت فيها قصور الزمرد على طريق أرضها من الفضة البيضاء المجلوة.

وأراهن كل سنة يتجردن من الأوراق؛ ليكتسين أوراقا مثلها لا تخلفها في شيء من الهيئة، ولا تباينها في معنى الطبيعة، ولكن بين ما يخلعن وما يلبسن تزيد فيهن الحياة، وتشب الروح، وتتجدد القوة فتلقي الشجرة أوراقها، وتستقبل الشتاء مقشعرة جرداء؛ لتظهر في الربيع كاسية: جميلة جديدة في حسنها، تتبرج بروحها قبل ثيابها، كالحسناء الفاتنة أو ما يتحرك في دمها الحب ...

كذلك لا تتبرج الروح إلا خارجة من شقاء أو مقبلة على شقاء، وما أشبه الحب في الناس بهذا الربيع في الشجر: هو الطريق الأخضر يمتد إما إلى الجدب واليبس والألم، وإما إلى غاية منسية مهملة في الجفاء أو السلوة!

وذهبت في ضحوة النهار إلى صديقاتي أحييهن كعهدي بين حين وحين، وما أكرمه عهدا لمن لا يختلفن من ملل، ولا يتغيرن من كذب، ولا يتبدلن من خيانة، فلما جئتهن تحفين بي وتناولني قلبي يمسحنه ويتحببن إليه، وأقبلن يغازلنه، ويأخذن فيه مأخذ من تحب فيمن يحبها، حتى لم أشعر منه إلا ما أشعر من زهرة فيها أرجها العاطر، أو ثمرة فيها ماؤها الحلو، أو نبتة فيها لونها الأخضر ... ... ونبهن فيه برفقهن هذه القوة المتواضعة المظلومة التي تتوجه بالإنسان إلى ربه فتكون عبادة، وإلى الناس فتكون رحمة، وإلى «بعض الناس» فتكون الحب، فإني لتحت ظلالهن الوارفة، وكأنني من السموت تحت أجنحة الملائكة، وإني لمع أغصانهن النضرة وكأني من السرور أداعب أطفالا صغارا تبسم لي، وإني لبين أنفاسهن وكأني من النشوة مع الخيال الذي أتخيل ...

تجلت علي القوة التي تحول الشعاع إلى ظل، والهواء إلى نسيم، والزمن إلى ربيع، والنظر إلى حب، فكنت في الشجر الصامت شجرة متكلمة، وانسللت من طبيعة إلى طبيعة غيرها، ووقفت بين عفو الله وعافيته في هذا المحراب الأخضر؛ ومن قلبي المتألم أرسلت إلى السماء هذه التسابيح ذاهبة مع تغريد الطير. •••

يا من غرسني في الحياة كهذا الغراس بين الماء والنور، ولكنه جعل جذوري كلها مستقرة مثله في الطين!

يا من لا يؤتيني معنى شريفا ساميا على هذه الأرض إلا إذا عرفت بإزائه معنى وضيعا سافلا، ولا ينضج ثماري ويحليها إلا بعد أن تنبت فجة مرة لا تذاق!

يا من خلقني إنسانا، ولكنه قضى علي أن أقطع الحياة كلها أتعلم كيف أكون إنسانا، كالبذرة: تقضي عمرها في إخراج شجرتها ونموها حتى إذا اكتملت الشجرة قطعت لأغراض أخرى غير التي من أجلها نبتت.

يا من وهب عبادة العقل بين هذه النواميس التي لا تعقل، حتى لا يتم أبدا عقل إنسان، ولا تكمل أبدا حكمة حكيم، فيظل باب الخطإ مفتوحا لأكبر العقول وأصغرها، وتكون الحيرة قاعدة من قواعد العقل؛ ليخرج من ذلك أن يكون التسليم قاعدة من قواعد القلب!

أوراق الورد · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أوراق الوردص ٤٢