وإني أقول إن عدد الذين فتك بهم البلغاريون من الأبرياء الآمنين كثير جدا، وقد ترك بيوتهم نحو الخمسة وسبعين ألفا هروبا من المعاملة القاسية البربرية، ولكنهم لا يكادون يفرون من القتل حتى ينقض عليهم البلغاريون ويفتكون بأغلبهم، ولم يهرب إلا القليل إلى بلاد الترك، وإنه ليحق للعالم أن يسمي الطريق بين فيلوبوبوليس وهرمنلي «طريق الموتى» لكثرة ما فقد فيه من الأرواح البريئة.
ولقد رأينا في طريقنا إلى قسطنطينية من أمثال هذه المناظر الفظيعة كثيرا، وكم رأينا أناسا من الضعفاء يسيرون سريعا لا يلتفتون وراءهم خوفا من أعدائهم، وإذا سألتهم إلى أين يسيرون لم يجيبوك من شدة ضعفهم وانتهاك قواهم، كأنما هم لا يعرفون إلى أي طريق هم سائرون، وإنما غاية ما يتصورون أنه يجب عليهم الفرار حتى يأمنوا على أرواحهم، ومن شدة فزعهم وهلعهم كانوا يتركون أمتعتهم حين تكسر لهم عربة ويفرون وحدهم.
وإني بينما أكتب هذه الأسطر أرى أمام عيني كثيرا من العربات تغدو بأصحابها بين هضاب متراكمة من الثلج، وأغلب النساء يسرن حفاة عراة خائرات القوى من الضعف والتعب.
ولذلك ضوضاء يصحبها صراخ الأطفال وعويل الأولاد وبكاء النساء وزفزفة العواصف وقرقعة عجلات العربات مما يزيد المنظر فظاعة وبشاعة، ومع الأسف الزائد أن هؤلاء المساكين التعساء يروحون فريسة الظلم وليس من يرحمهم أو يشفق عليهم.
وقد كتب مكاتب الستندرد الذي سار مع الدوق نيقولا وجاب الجزء الشمالي من بحيث جزيرة البلقان ما نصه:
لم أترك لنفسي مجالا للتكلم عن كبائر الفظائع كما يجب أن نسميها، وأقول الآن: إن المتوحشين لا يفعلون مع الفارين الهاربين كما فعل البلغاريون مع جيرانهم الأتراك من القساوة البربرية والمعاملة الوحشية، وما حمل هؤلاء المسيحيين على فعل هذه المنكرات سوى حب نفوسهم الخبيثة للفتك بعباد الله، وظمئها إلى شرب دماء جيرانهم الأبرياء الذين لا سلاح بأيديهم، ولقد سمع تابع لي رجلا بلغاريا في إحدى حوانيت الخمر في «سيستوف» يقول وهو حامل سكينة هائلة: «كنت أحمل معي بندقية، ولكن هذه السكينة اللطيفة أفادتني أكثر من البندقية؛ لأني ذبحت بها عشرة منهم كما تذبح الأغنام.»
ولعمري إن مثل هذا التغيير لا يضارعه مثيل في القسوة والفظاعة البهيمية، وإني لا أشك أنهم قتلوا الضعفاء الأبرياء، وذبحوهم كما تذبح الأغنام، ولقد مضى شهران على الروسيين وهم مقيمون، ومع ذلك لم يسمع أن تركيا أساء إلى أحد من المسيحيين. ومما يحكى أن ضابطا روسيا اشترى من أحد الفلاحين المسيحيين ديكين روميين بمبلغ نصف شلن، ثم سأل الفلاح قائلا: «أليس الناس في سرور لمقابلة إخوانهم المسيحيين؟» فأجابه: «فلننظر حتى نرى إن كنتم تعاملوننا كما كان يعاملنا الأتراك بالحسنى!»
وقد سأل المستر إدموند قنصل إنكلترا في «فيلوبوبوليس» خليل أوغلي حسين ومصطفى أوغلي عبد الله وسليمان أوغلي رشيد، وهم من سكان «بالفان» التي تبعد بمسافة سير ثلاث ساعات من ترنافو عما جرى لهم من الإهانات، فأجابوا بما يأتي: «في صباح السبت الماضي «7 يوليو» وصل ألايان من الكوساكز إلى قرية «بالفان فخرج كبارها حين سمعوا بوصول الروسيين لمقابلة قوادها، ولكن الكوساكز حاصروا القرية وطلبوا من السكان تسليم أسلحتهم، وفي اليوم الثاني حضر ألايان آخران من الكوساكز وأحاطوا كإخوانهم بالقرية، وكان يصحبهم في هذه المرة عدد لا يقل عن ألفين أو ثلاثة آلاف من البلغاريين الذين يسكنون القرى المجاورة، وجميعهم متقلدون بالنبابيت والسكاكين والبنادق والسيوف المختلفة الأجناس، فابتدأ هؤلاء الأوغاد في طرد أهل القرية وحيواناتهم، ونهب الناس وسلبهم من كل شيء يستحق الأخذ، ثم أشعلوا النار في القرية في أماكن عديدة، وكلما حاول أحد الخروج من لظى النار ولا سيما الأطفال والنساء حملوا عليه وزجوه فيها.