تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكتب هذا الكاتب نفسه:

بينما نحن نسير من «فيلوبوبوليس» كنا نرى جثث الفلاحين مغطاة بالثلوج، ولا شك أن بعضها قد لبث على هذه الحالة الشنيعة المحزنة أسبوعين أو ثلاثة، ولم تزل آثار الدماء على ملابس بعضهم، وهكذا كنا نسير بين رمم القتلى وآثار الخيام والأرض حولنا مغطاة بالجثث وبقايا المعسكرات كما تغطى بالبسط والفرش، وكنا نخترق صفوفا من جثث القتلى ورمم الحيوانات مسافة لا تقل عن خمسة وثلاثين ميلا؛ فرأينا نساء ملقاة في الثلوج وأولادا وأطفالا مرماة في البرك، ورجالا ممزقة أجسادهم مما أصابهم من الجراحات القتالة، ورأينا الثلج محمرا من أثر الدماء المنهطلة، وأظن أن أغلب النساء متن من البرد القارص؛ لأن نضارة الحياة كانت بادية على وجوههن، فكأنهن نيام للراحة من عناء هذا العالم ومعاملة أهله البربرية باسم المدنية.

أما الرجال فكنت تراهم واحدا بجانب الآخر تظهر عليهم علائم العظمة، حتى مع الموت، وذقونهم ملوثة بدمائهم، وأيديهم موضوعة على صدورهم كأنما هم يحافظون على قلوبهم الشريفة من أن تدوسها أعداؤهم بأقدام الخيل.

أما الأطفال والأولاد، فهم كالنساء مات أغلبهم من شدة البرد القارص والثلوج المتراكمة؛ فكنت ترى أوجههم لطيفة بعضها باد وبعضها مغطى بالثلج، وكانت تلوح عليهم نضارة الطفولية، وتظهر عليهم الطهارة والبراءة التامة، كأنما هم نائمون نوما طبيعيا، أو كأنما جعلت من الثلوج الناصعة البياض سرائرهم وأيديهم الناعمة البيضاء بارزة من المياه الذائبة.

ولا أشك أن أمهاتهم لما رأينهم أمواتا على صدورهن من شدة البرد، وأن لا أمل في عودتهم للحياة رمينهم في الثلوج ليخففن حملهن، وفارقن حشاشات أكبادهن بالرغم عنهن، والدموع تسيل من عيونهن حتى إذا أدركت الخدود تحولت بردا من شدة الزمهرير.

وإني لم أشعر بيأس زائد وبلاء عظيم في حياتي إلا عندما رأيت بعيني الفظائع والمصائب التي حلت على بني الإنسان؛ فلقد رأيت امرأة تسير بجانب طفلة تناهز العاشرة من عمرها، وهما تجدان في المسير فرارا من معاملة الروسيين وقساوتهم البربرية، ولكن الابنة لم تقو على المشي؛ لأن أقدامها العارية تعبت غاية التعب من المسير على الثلج، فسقطت ميتة بين أيدي أمها الحنونة، ولقد داهم الأم الليل بظلامه الحالك وبرده الفاتك؛ فسقطت طريحة بجانب ابنتها.

وإن الطريق إلى «هاسكيوي» مملوءة بجثث عديدة، وكلما مررنا على قرية رأيناها خاوية على عروشها ليس بها إلا بقايا المذبوحين والمقتولين، ولقد سألنا بعض البلغاريين: من قتل هؤلاء؟ فأجابونا بصوت الشامت المسرور: «إننا ونصراءنا قتلناهم شر قتلة.»

أما في هاسكيوي فكنت ترى كثيرا من الجنود التركية مقتولين، وفضلا عما أصابهم من الجراح القاتلة، فإن فلاحي البلغار لم يشفقوا عليهم، بل رجموهم بالحجارة؛ ليفنوا عظام هؤلاء الشهداء الأبطال.

ولقد سألت إحدى العائلات التركية: من أين جاءت وإلى أين تسير؟ فقالت لي: إنها تركت «بلفنة» من خمسة شهور مضت، وهي على مثل حالها من الفقر المدقع تسير ليلا ونهارا لا غذاء لديها سوى ما تجده من لحوم الحيوانات التي تموت في الطرق، وكانت هذه العائلة مكونة من أب وأم على صدرها طفل صغير وولد يبلغ العاشرة من العمر، وكلهم حفاة عراة، الأرض فراشهم والسماء غطاؤهم، وليس لديهم سوى بعض خرق يسترون بها سوآتهم وقدرة يطبخون فيها اللحم.

وكلما سرنا خطوة بعد «هاسكيوي» رأينا مناظر أبشع وأفظع، فكم رأينا امرأة وزوجها مقتولين نائمين بجانب بعضهما وطفلين بقربهما على الثلوج، وشيوخا متكسرة جماجمهم، وكل هذا فضلا عن خراب القرى وسلب ونهب ما لأصحابها من الخيرات والأشياء النافعة. ومن المناظر التي تولد الحسرة وتحزن الفؤاد أنني رأيت شيخا هرما من الترك ملقى على الأرض وبجانبه مصحف قرآن شريف مفتوحا وملوثا بدمائه، وذلك بينما كان البلغاريون يسلبون الناس أموالهم ويحملونها على عرباتهم، ثم يجرونها فوق جثث القتلى؛ لتدهس العجلات لحومهم، وتفتت عظامهم، وتهشم جماجمهم بلا رحمة ولا شفقة، بل وبلا تأثر لمثل تلك المناظر البشعة الفظيعة، فأين المدنية؟! وأين حب الإنسانية؟!

المسألة الشرقية · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الشرقيةص ٥٩