تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الكوساكز فإنهم وقفوا بعيدا على شكل كوردون حول القرية غير متألمين مما يجري أمام أعينهم، بل كانت علائم السرور بادية على وجوههم، ولولا أننا «خليل أوغلي ومن معه» هجمنا على الكوردون بقلوب شجعها اليأس وقطعناه في طرف القرية، ما تمكنا من الفرار من لهيب النار.

وكان المتكلم هو خليل أوغلي المذكور، ولقد استمر في حديثه وعلامات الحزن والأسف بادية على وجهه، ولكنه حينما أراد أن يتكلم عما حصل لعائلته بكى بكاء مرا، وصار يتنهد كما تتنهد الثكلى، ثم خنقته العبرة؛ فلم يقدر على الكلام، وبعد مدة طويلة أمكنه أن يعبر لنا عما حصل لأختيه اللتين كان يعتني بأمرهما؛ لأن زوجيهما كانا في الجيش، وقال لنا: إنه رأى بعينيه عائلته وقد كانت تزيد عن إحدى عشرة نسمة ترمى في النار واحدا بعد واحد.

ولما عبر الروسيون نهر الدانوب سنة 1877 قبضوا على نساء الأتراك وأطفالهم الذين كانوا يحاولون الهرب من وجه أعدائهم، وأحضروهم إلى مدينة شملا بحالة تذيب الأفئدة وتقطع الأكبدة، وهناك رآهم بعض مكاتبي الجرائد الأوروبية، فكتبوا قرارا بهذا الشأن وأمضوا عليه.

ولقد أرسل وزير خارجية الدولة العلية هذا القرار إلى السفارة العثمانية في باريس بتاريخ 21 يوليو سنة 1877 قائلا: «إني سأرسل إليكم القرار الآتي بإجماع وإمضاءات مكاتبي الجرائد الأجنبية الآتية، وهي: «كولونيا غازت» «جرنال الديبا» «نيوفراي برسيه» «ستندارد» «دايلي تلغراف» «اللستر اند لندن نيوز» «مانشستر جارديان» «التيمس» «فرانكفور ترزايتنج» «مورنن بوست» «ريببليك فرانسز» «بسترلويد» «فاينرتاجبلاط» «مورنن إدفر تيسر» «سكوتمان» «نيويورك هرالد» «منشستر أكزامنر»، والقرار هو الآتي:

الممضون أدناه الذين يمثلون الصحافة الأوروبية والمجتمعون في مدينة شملا يرون أن من واجباتهم أن يمضوا الرسائل التي أرسلها كل واحد منهم إلى جريدته عن القسوة البربرية التي ارتكبها ويرتكبها البلغاريون ضد السكان المسلمين الأبرياء، وأن يشهد كل منا أننا رأينا بأعيننا جراح النساء والشيوخ والأطفال، وسألنا في مدينتي «راسجرار» و«شملا» النساء والأطفال والشيوخ عما حل بهم من الجراحات العنيفة بالسيوف والحراب فضلا عن البنادق التي ربما ظن أنها أصابتهم أثناء اشتعال نار الحرب.

ويستدل من أجوبتهم أن ما حل بهم هو من معاملة الروسيين والبلغاريين، ويستنتج من كلامهم أيضا أن معظم سكان القرى من المسلمين ذبحوا كما تذبح الأغنام، ونحن الممضون أدناه نقر أن أغلب الجرحى من النساء والأطفال.

الإمضاءات

وكتب مكاتب التيمس - وقد صحب هذا المكاتب الجنرال جوركو ورأى بعينه ما حل بالأتراك الأبرياء - من معسكر جنوب البلقان في 12 يوليو سنة 1877 ما يأتي:

إن هذه الحرب ليست من الحروب الإنسانية، بل هي هول على هول، وفظائع على فظائع؛ لأن الجندي الروسي يرى التركي كحيوان يجتهد في صيده ليقتله، وأما البلغاري فكيفما تمكن من القتل قتل، وهذا هو البرنس ويتشتنستين يقول: إن البلغاريين يقتلون جرحى الأتراك، ويسلبون القتلى أموالهم، فماذا يعمل الإنسان ذو العواطف الحية حينما يرى إخوانه يتحمسون لشرب الدماء عندما يسمعون أنه قبض على أسرى من الأتراك؟! أم كيف يتسنى للأبطال أن ينظروا بعين الرضى رجالا يلوثون انتصارهم بما يركبونه من منكرات الفظائع والمذابح؟!

لما رأت الدولة العلية أن أوروبا كلها ضدها، وأن لا نصير لها بين الدول، وأن إطالة الحرب مضرة بها، طلبت من الروسيا إيقاف الحرب وعقد هدنة للمخابرة في شروط الصلح، فقبلت الروسيا ذلك بغاية الامتنان، وعقدت الهدنة بين المتحاربين في «أدرنة» بتاريخ 30 يناير عام 1878، واشترطت الروسيا عند عقد الهدنة أن القواعد الأولية للصلح يجب أن تكون استقلال الصرب ورومانيا، وتنازل الدولة العلية لهما وللجبل الأسود عن بعض الأراضي، وجعل بلغاريا مستقلة استقلالا إداريا، وجعل الإدارة في البوسنة والهرسك مستقلة، وتقدير غرامة حربية تدفعها تركيا للروسيا.

المسألة الشرقية · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الشرقيةص ٦١