تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يعتبر رجال العسكرية في أوروبا سقوط «بلفنة» انتصارا للروسيين على العثمانيين، بل أعجب كل إنسان بالعثمانيين أكثر من إعجابه بالروسيين؛ فإن الروسيين كان عددهم مائة وخمسين ألف مقاتل، وكان عدد العثمانيين ثلثهم أي خمسين ألفا فقط، وقد أظهر القيصر إسكندر الثاني نفسه للغازي «عثمان باشا» عظيم إعجابه بدفاعه عن «بلفنة»، وقال له: إن هذا الدفاع يعد من الأعمال الحربية النادرة المثال في تاريخ البشر.

وبالجملة، فلم تنتصر الروسيا على تركيا في هذه الحرب إلا بالدسائس العديدة التي دستها ضدها في البوسنة والهرسك وفي بلاد البلقان؛ فقد رأى القارئ أن الدولة العلية اضطرت إلى قمع ثورة عظيمة في البوسنة والهرسك، ومحاربة الصرب والجبل الأسود، وقمع ثورة بلغاريا؛ مما أراق دماء كثيرة من دماء العثمانيين، وأمات أبطالا من جنود الدولة، وحملها الأموال والمصاريف الطائلة.

ومع أن الثورة في البوسنة والهرسك وبلغاريا والحرب مع صربيا والجبل الأسود أضعفت جيوش الدولة، فإن هذه الجيوش الفخمة حاربت الروسيا بكل قوة وشهامة، وانتصرت عليها في مواضع مختلفة، ولم تحارب الروسيا تركيا بجيوشها وحدها، بل استعانت برومانيا التي قدمت لها نحو المائة ألف مقاتل، ولو كانت الروسيا حاربت تركيا من بادئ الأمر قبل أن تهيج البوسنة والهرسك وبلغاريا والصرب والجبل الأسود ضدها لكانت انتصرت تركيا ولا محالة وخابت الروسيا وهزمت شر هزيمة.

وإذا أضاف القارئ إلى ما تقدم أن تركيا كانت تضع ثقتها في رجال من الدخلاء يعملون بأوامر الأجنبي ويعرضون بمصالح الدولة للدمار، وأنه كان بين قواد جيشها قائد روسي الأصل علم فضل تركيا في انتصارها على الروسيا في بعض مواقع مهمة.

ولا بد لنا من أن نذكر للقارئ أيضا أن جنود الجبل كانت تعاكس جنود الدولة أثناء الحرب، وأن الصرب انضم جيشها لجيش الروسيا بعد سقوط «بلفنة»؛ فكانت الدولة العلية بذلك مشتغلة من كل جانب برد الأعداء عن ديارها، ولم يكن لها نصير ينصرها على أعدائها، بل كانت وحدها أمام أعداء عديدين، وكان اعتمادها على محض قوتها. •••

طالما ادعى أعداء الدولة العلية أنها إذا فتحت بلادا نشرت فيها لجنودها راية السلب والنهب والفتك بأهلها، وإذا مرت بأرض خربتها وغيرت معالمها، فليقرأ المنصفون ما عمله الروسيون وصنائعهم البلغاريون في هذه الحرب مع المسلمين الأبرياء الذين لم يكن لديهم أسلحة يدافعون بها عن أنفسهم، بل كانوا آمنين مطمئنين يحسبون الحرب بشرية إنسانية، لا بهيمية بربرية.

وقد أتى السير أشميد برتلت في كتابه الحديث «مواقع تساليا» على تاريخ كثير من هذه الفظائع، وإنا نذكر للقراء الكرام شيئا منها:

لما عبر الجنرال سكويبف نهر شيبكا في يناير سنة 1877 وجد معسكرا يحتوي على مائة ألف من نساء الأتراك نازلا بقرب هرمنلي، فلم يكن من جنوده سوى أنهم فتكوا بهن، وطردوهن أمامهم على ثلوج نهر ميرتزا إلى جبال رودب حتى مات أكثرهن من البرد والجوع.

وإنا نستشهد على هذه المعاملات البربرية واعتداء الروسيين والبلغاريين على الأبرياء من المسلمين بما جاء في جريدة الدالي نيوز، وقد كانت إذ ذاك منتصرة للروسيا، ففي عدد 8 فبراير سنة 1878 جاء فيها بالحرف الواحد:

أدريا نوبل في 27 يناير سنة 1878 لمكاتبنا في الحرب

إن المسافة التي بين «فيلوبوبوليس» و«هرمنلي» تبلغ سبعين ميلا قد كانت بالأمس مرتعا لآلاف من العائلات، واليوم أصبحت قاعا صفصفا خاوية على عروشها، ليس بها سوى جيف الموتى وعظام القتلى وبقايا المذبوحين، فتحولت نضارتها السابقة إلى منظر مخيف وأطلال دوارس؛ وذلك نتيجة ما حصل من الفظائع المنكرة التي تقشعر من هولها الأبدان، ولا يمكن لأي إنسان أن يتصور مهما اجتهد أن يحاول تلك الأهوال التي وقعت في تلك البقعة، والحالة التي وصلت إليها.

المسألة الشرقية · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الشرقيةص ٥٨