تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أرسلت الروسيا بانفرادها إنذارا آخر للباب العالي أشد لهجة من الإنذار الدولي، فعرض الباب العالي هذين الإنذارين على مجلس المبعوثان ليرى رأيه فيهما، فرفضهما في 9 أبريل سنة 1877، وفي 11 أبريل أعلن الباب العالي الدول الأوروبية رفضه لهما، ومن ذلك اليوم صارت الحرب على أبواب تركيا، وأخذت الدولة العلية من جهة والروسيا من جهة أخرى تتمم تجهيزاتها الحربية وترسل جيوشها على الحدود.

ولما رأت الروسيا أنها لا تستطيع التغلب على تركيا والفوز عليها، إلا إذا عبرت جيوشها بلاد رومانيا عقدت في 16 أبريل مع هذه الإمارة - خلافا لاتفاقها مع النمسا - اتفاقية تسمح للجنود الروسية بعبور أراضي رومانيا، وفي 24 أبريل سنة 1877 أعلنت الروسيا رسميا الحرب على تركيا، مبينة في إعلانها أن غرضها بالحرب نصرة المسيحيين.

فلما علمت إنكلترا بأن الحرب لا بد منها سألت الروسيا عدم المساس بمصالحها في الشرق واحترام صوالحها، فأجابتها الروسيا على ذلك، وهذه هي المساعدة التي قدمتها إنكلترا للدولة العلية!

وقد اتخذت الجنود الروسية في القرم وفي البحر الأسود خطة دفاعية، وجعلت خطتها الهجومية في جهة القوقاز والدانوب.

وسار الجيش الروسي في آسيا تحت قيادة الجنرال «لويس مليكوف» وبعد مجهودات عظيمة وقتال عنيف؛ استولى في 19 مايو على مدينة أردهان، وسار في أوائل يونية إلى مدينة «أرضروم». أما في أوروبا فقد اتفقت الروسيا مع رومانيا - التي أعلنت عندئذ استقلالها التام عن الدولة العلية - في 14 مايو عام 1877 اتفاقا دفاعيا هجوميا، وانضمت جنود رومانيا إلى جنود الروسيا، وعبرت بلغاريا الشمالية، وفي أواسط يوليو احتلت مدينة نيكوبلي، واحتل الجنرال «جوركو» مضايق البلقان الموصلة لمضيق شيبكا الشهير. وقد أحدثت هذه الأخبار تأثيرا شديدا في الآستانة وفي أوروبا كلها، وازداد اهتمام الباب العالي بأحوال الجيش، إلا أنه من سوء حظ الدولة وشى بعض الدخلاء بالشهم المشهور «عبد الكريم باشا»؛ فعزلته الدولة وعزلت رديف باشا ناظر الحربية، وعينت بدل عبد الكريم باشا «محمد علي باشا» وهو ضابط روسي الأصل اعتنق الإسلام ودخل في عسكرية الدولة.

ولما علم دولة الغازي «عثمان باشا» بانتصار الجيوش الروسية والرومانية أتى بجيشه إلى مدينة «بلفنة» وحصنها أحسن تحصين.

وقد هاجت الخواطر في بلاد المجر حين ذاك هيجانا شديدا لانتصار الروسيا على تركيا في بعض المواقع، وصار المجريون يتظاهرون في الشوارع وفي المجتمعات ضد الروسيا، وينادون بمحبة تركيا التي ساعدت ثوارهم عام 1849، وأخذوا يسألون حكومتهم مساعدة تركيا بالفعل. إلا أن النمسا التي بيدها زمام القيادة العامة للجيش المجري والنمساوي كانت على الحيادة، وكان «بسمارك» يسمعها من وقت إلى آخر أن نصيبها من أملاك تركيا سيكون «البوسنة والهرسك»؛ فكانت راضية بالحرب غير حاسبة لتقوية نفوذ الروسيا في بلاد البلقان حسابا.

وبالجملة، لم يكن لتركيا في أمم أوروبا محب يخلص الحب لها غير الأمة المجرية، ولكنها لم تستطع أن تعمل شيئا ما في صالحها.

وقد ظن سواس أوروبا ورجال العسكرية فيها أن الروسيا ستستمر سائرة في طريق النصر، ولكن الأخبار ملأت أوروبا بعدئذ أن الجنود العثمانية انتصرت على الجنود الروسية انتصارا باهرا «في قارص» بفضل البطل الشهير الغازي «أحمد مختار باشا»، واضطر الروسيون لرفع الحصار عن هذه المدينة. وفي يوليو وأغسطس وسبتمبر عام 1877 هاجمت الجنود الروسية مدينة «بلفنة» المرة بعد الأخرى، وارتدوا على أعقابهم خاسرين؛ لما أقام حولها الغازي «عثمان باشا» من المعاقل والحصون المنيعة.

ولكن سوء حظ الدولة العلية قضى عليها بألا ترسل ما يلزم من المدد للغازي «مختار باشا» بعد أن فقد جيشه الرجال الأبطال؛ فسقطت منه لذلك «قارص» في أيدي الروسيين في شهر نوفمبر عام 1877، وسار بعد ذلك الجنرال الروسي «مليكوف» على «أرضروم». أما «بلفنة» فقد أعيت معاقلها وحصونها الروسيين، فحاصروها حصارا شديدا، وشهدوا قوة الأتراك وشهامتهم، وأعجب قيصر الروس نفسه بمهارة الغازي «عثمان باشا» وقوة إدراكه. وقد طالت محاصرة «بلفنة» حتى انقطع المدد عن الأتراك، ونفد كل ما عندهم من الذخائر، فعزم الغازي «عثمان باشا» على الخروج من «بلفنة» مع جنوده الأشداء. وفي 10 ديسمبر عام 1877 خرج بالفعل، ومرت الجنود العثمانية من وسط الأعداء غير خائفة نيرانهم ولا مقذوفاتهم، بل جعالة وجهتها الاستحكامات التي كان أقامها الروسيون حول «بلفنة» على ثلاثة خطوط متعاقبة، واستولت على مدافع الخط الأول والثاني وكادت تستولى على الخط الثالث، غير أن الغازي «عثمان باشا» وقع جريحا فظنه قومه ميتا، وانتشر خبر موته بين الجنود العثمانية؛ فثبطت هممهم وانحلت عزائمهم، ودخل الروسيون في هذه الأثناء «بلفنة»، واضطر قواد الجيش العثماني للتسليم، والاتفاق مع قواد الجيش الروسي على إيقاف الحرب بإلقاء الجيش العثماني للسلاح، وقد فقد الجيش الروسي في محاصرة «بلفنة» 28080 رجلا وفقد الجيش العثماني 15300 رجلا.

المسألة الشرقية · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الشرقيةص ٥٧