تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كانت إنكلترا وحدها تتظاهر للدولة العلية بالمحبة والولاء، ولكنها أضرت بها كغيرها بل أكثر من غيرها؛ لأن الدولة العلية انخدعت بتظاهر سواس الإنكليز بالميل لها، وحسبت أن بريطانيا مساعدة لها ضد الروسيا وقت الحرب، فلما جاءت الحرب علمت تركيا أن إنكلترا كانت ترمي فقط إلى تشجيعها على معارضة أوروبا مع علمها باتحاد أوروبا ضدها، وكذلك خدعت إنكلترا تركيا عند عقد مؤتمر برلين، حيث أخذت منها قبرص كما سيرى القارئ.

ولما رأى مندوبو فرنسا أن الدولة العلية عازمة على رفض مطالب المؤتمر عرضوا على بقية الأعضاء تعديل الطلبات، فقبلوا ذلك وأبلغوا الباب العالي أنهم يتركون مسألة تنازل الدولة العلية للصرب والجبل الأسود عن بعض الأراضي لمخابرة أخرى، وأنهم لا يسألون الباب العالي أن يستشير الدول في تعيين حاكم البوسنة والهرسك إلا في الخمس سنين الأولى، وأنهم عدلوا عن طلبهم بشأن تقسيم بلغاريا إلى قسمين، وجعل قسم منها مستقلا استقلالا إداريا، وأنهم عدلوا عن طلبهم بشأن جعل البوليس كله في البوسنة والهرسك مسيحيا، وقبلوا أن يكون من المسيحيين ومن المسلمين، وأنهم قبلوا اعتبار اللغة التركية في البوسنة والهرسك رسمية كاللغة السلافية، وحددوا للباب العالي مدة ثلاثة أشهر لتنفيذ ما بقي من مطالب الدول.

وقد أمضى مندوبو إنكلترا على هذا القرار مع بقية مندوبي الدول، ولكنهم كانوا ينصحون لسواس تركيا سرا برفض مطالب الدول.

ولكي تعلم الأمة العثمانية أن جلالة السلطان الأعظم لا يعرض بمصالحها للخطر، وأنه يستشير في صغائر الأمور وكبائرها كبار الأمة وعقلاءها، جمع جلالة السلطان الأعظم مجلسا عاليا مكونا من مائة وثمانين عضوا من كبراء الأمة ورؤساء الطوائف والمذاهب، وعرض عليهم مطالب الدول وسألهم رأيهم في الأمر، فرفضوها بالإجماع، وأشاروا على جلالة السلطان برفضها؛ فقرر جلالته رفضها عملا برأي كبراء الأمة ورؤساء المذاهب والديانات، وحفظا لكرامة الدولة وصيانة لشرفها.

وفي 20 يناير عام 1877 أعلن صفوت باشا مندوبي الدول رسميا بأن الدولة العلية رفضت مطالبهم لمساسها بمصالحها الجوهرية، فانفض بذلك المجتمع الدولي، وترك مندوبو الدول كفة الآستانة إظهارا لغضب دولهم وانقطاع العلائق السياسية.

وفي 30 يناير من السنة نفسها كتب المسيو «غورتشاكوف» وزير الروسيا الأول إلى الدول الأوروبية يسألها عن الوسائل التي ستتخذها مع تركيا لإجبارها على قبول مطالبها، ويعلمها بأن الروسيا مستعدة للعمل وحدها ضد تركيا. وفي الوقت نفسه اتفق القيصر مع «فرنسوا جوزيف» إمبراطور النمسا على بقاء النمسا على الحيادة أثناء الحرب بين الدولة العلية والروسيا، وقبل القيصر الشروط الآتية: أولا: ألا تدعي إحدى الدول الأوروبية أن لها وحدها حق حماية المسيحيين في الدولة العلية، وأن يكون لدول أوروبا كلها القول الفصل بين تركيا والروسيا بعد نهاية الحرب. ثانيا: ألا تأخذ الروسيا شيئا ما من الأراضي الواقعة على الشاطئ الأيمن لنهر الطونة، وأن تحترم استقلال رومانيا، وألا تمس الآستانة بسوء. ثالثا: إذا أوجدت الروسيا إمارة سلافية جديدة يجب ألا يكون ذلك ضد مصلحة البلاد الغير سلافية، وألا تدعي الروسيا حقوقا على بلغاريا التي يجب ألا يحكمها أمير روسي ولا أمير نمساوي. رابعا: ألا تمر الجنود الروسية من بلاد الصرب.

ولم تكتف الروسيا باتفاقها مع النمسا ومساعدة ألمانيا لها من أول الأزمة كل المساعدة، بل أرادت أن تتحقق من مساعدة بقية الدول الأوروبية لها مساعدة معنوية؛ فأرسلت الجنرال «أغناتييف» إلى عواصم أوروبا، فزارها عاصمة بعد عاصمة حتى لوندرة نفسها، وفي كل عاصمة من عواصم أوروبا قوبل بالترحاب، ووعد بعدم معارضة الروسيا في شيء. وفي لوندرة اتفق مع الوزارة الإنكليزية على عقد مؤتمر دولي في لوندرة لإرسال إنذار أخير للباب العالي، وبالفعل اجتمع المؤتمر. وفي 31 مارس سنة 1877 أرسل الإنذار الدولي للباب العالي متضمنا أنه يجب على الدولة العلية أن تتمم عقد الصلح مع الجبل الأسود، وأن تترك له الأراضي التي يطالب بها، وأن تنفذ الإصلاحات التي طلبتها منها الدول، وأن تجعل عساكرها في حالة السلم بأن تقلل عددها العظيم الذي جمعته للحرب، وأنذرتها الدول بأنها كلها مستعدة لأن تتحد وتقرر الوسائل الفعالة ضدها إن لم تقبل مطالبها في أقرب وقت، وبذلك اشتركت أوروبا كلها اشتراكا معنويا في معاداة الروسيا لتركيا وتهييجها أمم البلقان عليها، وتحملت مسئولية كل ما عملته الروسيا ضد تركيا.

المسألة الشرقية · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الشرقيةص ٥٦