وقد عرض الكونت «دي بيكونسفيلد» الوزير الأول لإنكلترا على الدولة العلية عقد هدنة لمدة ستة أسابيع للمخابرة فيها في شروط الصلح، وبقاء الحالة على ما هي عليه في صربيا، ومنح البوسنة والهرسك استقلالا إداريا، فرفضت الدولة هذه الطلبات، خصوصا وأن القيصر أوعز إلى صربيا باستئناف الحرب مرة ثانية، فجمعت جنودها وجندت من لم يجند منهم. وفي 1 أكتوبر سنة 1876 أرسل القيصر إلى «فرنسوا جوزيف» إمبراطور النمسا كتابا سريا سأله فيه اتحاد النمسا مع الروسيا لاحتلال بلاد البلقان كلها، فرفض إمبراطور النمسا طلب القيصر خوفا من نتائج عمل خطير كهذا.
وفي 5 أكتوبر طلبت إنكلترا من الدولة العلية عقد هدنة لمدة ستة أسابيع، وفتح مذاكرة بين الدول وقت الهدنة بشأن عقد الصلح، فأجابت الدولة العلية بأن الهدنة يجب أن تكون لمدة ستة أشهر حتى تستطيع جنودها أن تستريح من أنصاب الحرب، وبأن يمنع وصول الأسلحة والذخائر لثوار البوسنة والهرسك ولصربيا والجبل الأسود وقت الهدنة. فلم تقبل الدول طلب الدولة العلية العادل، وأرسلت الروسيا في 15 أكتوبر الجنرال «أغناتييف» للآستانة حاملا إنذارا للباب العالي يتضمن هذه الشروط:
أولا:
عقد هدنة لمدة ستة أسابيع بلا شرط.
ثانيا:
منح البوسنة والهرسك وبلغاريا استقلالا إداريا.
ثالثا:
ضمانة الدول الأوروبية لحقوق هذه المقاطعات.
وما وصل «أغناتييف» إلى الآستانة حتى وصلته أخبار انهزام الجيش الصربي أمام الجيش العثماني الظافر؛ فقد انتصرت الجنود العثمانية انتصارا عظيما في «دليجراد» و«ألكسيناتس»، وباتوا على مقربة من «بلغراد» عاصمة الصرب التي صار أمر سقوطها في أيدي العثمانيين محققا، فقدم في الحال «أغناتييف» إنذاره للباب العالي، وقبلت الدولة العلية عقد الهدنة في 2 نوفمبر عام 1876.
ولما رأت إنكلترا أن الروسيا تهدد الدولة العلية على لسان الجنرال «أغناتييف»، أرادت أن تظهر لتركيا مودتها لها؛ لتنتفع من هذه المودة عن الحاجة كما سيرى القارئ؛ فأمرت أسطولها بالسفر إلى مياه الشرق والوقوف في «بزيكا»؛ أي: في مدخل الدردانيل. وعندئذ اتفقت الدول على عقد مذاكرة بينها وبين بعضها في الآستانة. •••
وقد اجتمع مندوبو الدول بالآستانة في أوائل ديسمبر عام 1876، وقرروا عدم اشتراك تركيا في مداولاتهم ومناقشاتهم، بل إرسال قرارهم النهائي إليها بعد إتمام المداولات والاتفاق عليه، وهي أول مرة اجتمع مؤتمر دولي في عاصمة بلاد لم تشترك في هذا المؤتمر! وفي 23 ديسمبر تم اتفاق مندوبي الدول على وضع قرار نهائي، وفي 24 منه أبلغ هذا القرار إلى الباب العالي، وهو يتضمن أن الدولة العلية تتنازل لبلاد الصرب والجبل الأسود عن بعض الأراضي ليتسع نطاق إمارتيهما، كأنهما الغالبتان لتركيا! ويتضمن أن البوسنة والهرسك تصيران مستقلتين استقلالا إداريا وأن يعين لهما لمدة خمس سنوات حاكم يجب أن يكون تعيينه بموافقة الدول، وأن يكون البوليس في البوسنة والهرسك مسيحيا، وأن يترك لهاتين المقاطعتين نصف إيرادهما، وأن تكون لغة البوسنة والهرسك هي اللغة الرسمية فيهما، ويتضمن القرار غير ذلك أن القسم الموجود في شمال البلقان من بلاد بلغاريا يصير مستقلا استقلالا إداريا كالبوسنة والهرسك، وأن تحتل الجنود البلجيكية هذه المقاطعات السالفة الذكر لحين تنفيذ قرار الدول، وأن تعين لجنة دولية لمراقبة تنفيذ هذا القرار.
ولا ريب أن قرار الدول هذا كان في الحقيقة إعلانا لتركيا بأن دول أوروبا كلها متعصبة ضدها، وأنها متحدة في العمل على الإضرار بها؛ فإن الدول الأوروبية كانت تعلم علم اليقين أن هذه المطالب ترفضها تركيا رفضا باتا لما فيها من المساس بحقوقها، وكيف كانت تستطيع تركيا أن تقبلها بعد أن أقمعت الثورة في البوسنة والهرسك وهزمت جنود الصرب والجبل الأسود شر هزيمة؟!