فقد قام البلغاريون في وجه الدولة، وجعلوا غايتهم قتل المسلمين؛ فأتوا من الفظائع والجرائم ما لا يستطيع وصفه قلم، وصار أنصار الضلال في أوروبا يكذبون على العالم كله، ويدعون أن الدولة تذبحهم هم ونساءهم وأطفالهم مع أنهم كانوا المعتدين على الأبرياء من المسلمين.
وقد استعدت كذلك صربيا والجبل الأسود لمحاربة الدولة، فاتحد أميرا هاتين الإمارتين ضد الدولة، وحشدا الجنود بكثرة، وأرسلت الروسيا ضابطا من أمهر ضباطها «تشرنايف» لقيادة الجيش الصربي، فلما علمت الدولة العلية باستعدادات صربيا والجبل الأسود الحربية أرسلت إلى أميريهما في 9 يونيو عام 1876 تسألهما عن سبب هذه الاستعدادات، فأجابت الصرب بأنها تطلب من الباب العالي أن تنجلي العساكر العثمانية من مقاطعتي البوسنة والهرسك، وأن تحتل العساكر الصربية مقاطعة البوسنة، وأن تحتل عساكر الجبل الأسود مقاطعة الهرسك؛ فرفض الباب العالي هذا الطلب الغريب بغاية الشدة والشهامة، وأرسل بجيشه إلى حدود الصرب والجبل الأسود، وفي 30 يونيو أعلنت الصرب الحرب على تركيا، وفي 2 يوليو أعلنها الجبل الأسود.
ولما كانت الروسيا تعلم أن تظاهر صربيا والجبل الأسود برغبة احتلال البوسنة والهرسك من شأنه أن يكدر النمسا التي تريد تقوية نفوذها في البلقان، وتطمح إلى الاستيلاء على هاتين المقاطعتين سافر القيصر «إسكندر الثاني» بنفسه إلى «ريشتاد» في بوهيميا، وتقابل مع «فرنسوا جوزيف» إمبراطور النمسا، وتحادث معه طويلا في أمور الشرق. ويحقق كثيرون من المؤرخين بأن القيصر وعد إمبراطور النمسا بإعطائه البوسنة والهرسك بعد انتهاء أزمة المسألة الشرقية، فبقيت النمسا بذلك على الحيادة وقت الحرب بين الدولة العلية وبين صربيا والجبل الأسود.
وقد كان يظن سواس أوروبا وكتابها ورجال الحرب فيها أن الدولة العلية ستقهر في هذه الحرب أمام صربيا والجبل الأسود، ولكنهم علموا بعدئذ أن جنود تركيا لا يزالون ليوثا في الحرب وآسادا في معامع القتال، فقد انتصروا على عساكر الجبل الأسود وجنود صربيا نصرا مبينا بقيادة الغازي عثمان باشا والمرحوم عبد الكريم باشا، وهزموهم في «زيتشار» هزيمة اهتزت لها أوروبا، ومادت لها محافلها ونواديها، ولما شعرت صربيا بأن بلغراد عاصمة بلادها صارت نفسها في خطر طلبت من الدول بتاريخ 28 أغسطس سنة 1876 أن تتوسط بينها وبين الدولة العلية، فسألت الدول الأوروبية الدولة العلية أن تعرض عليها الشروط التي تقبل معها عقد الصلح، فأجابتها بهذه الشروط:
أولا:
أن تعود الأحوال في صربيا إلى ما كانت عليه قبل عام 1867.
ثانيا:
أن تهدم القلاع التي بنتها صربيا بعد عام 1867.
ثالثا:
أن ترد القلاع التي كانت محتلة لها تركيا من قبل إليها.
رابعا:
أن تدفع صربيا غرامة حربية، أو أن تقبل ازدياد الخراج السنوي الذي تدفعه لتركيا.
خامسا:
ألا يزيد عدد الجيش الصربي عن عشرة آلاف مقاتل.
سادسا:
أن يسافر أمير الصرب إلى الآستانة؛ ليقدم واجبات الخضوع والتابعية للحضرة السلطانية، وليستلم فرمان تعيينه أميرا على الصرب.
فرأت الدول أن هذه الشروط قاسية جدا، وأن قبولها يضر بالصرب ضررا بليغا، على أن القارئ إذا تذكر الطلبات التي اتفقت عليها الروسيا والنمسا وألمانيا في برلين بشأن البوسنة والهرسك وطلبتها من الباب العالي، لوجد شروط الدولة العلية مع الصرب أخف كثيرا من طلبات الدول، مع أن الدولة غلبت الصرب وانتصرت عليها انتصارا باهرا. فطلبت الدول من إنكلترا التي كانت تدعي مساعدة تركيا - وما كانت تعمل في الحقيقة إلا على تشجيع رجال تركيا في معارضتهم ضد الدول مع علمها باتفاق الدول كلها ضد تركيا - أن تعرض على الباب العالي شروطا أخرى.
وفي هذه الأثناء جلس جلالة مولانا السلطان الأعظم والخليفة الأكبر «عبد الحميد خان» على أريكة المملكة العثمانية، حيث المصاعب تحيط بها من كل جانب، وأعداؤها يدسون لها الدسائس في كافة أنحائها، والدول كلها متحدة ضدها، فبذل أقصى جهده في تنظيم الأمور وإصلاح الأحوال ودفع المصائب والأخطار.