أولا:
أن تعطي الدولة العلية للمسيحيين ثلث الأراضي التي بيد المسلمين.
ثانيا:
أن تصلح لهم المنازل التي هدمت بسبب الثورة، وأن تساعدهم بالمال، وأن تقدم لهم الثيران اللازمة لحرث الأرض.
ثالثا:
أن تعفيهم من الضرائب مدة ثلاث سنين.
رابعا:
أن تنجلي العساكر التركية النظامية من بلاد البوسنة والهرسك، وأن تبقى فقط في «نيكشيش» و«ستولاز» و«فوكا» و«تريبين» و«بيوجلي» و«مستار»، وأن ترسل النمسا والروسيا مندوبين من قبليهما في هذه البلاد لمراقبة تنفيذ هذه الشروط.
خامسا:
نزع السلاح من المسلمين.
سادسا:
ضمانة الدول الأوروبية لتنفيذ هذه الشروط.
ولما رأت صربيا وبلغاريا والجبل الأسود أن الروسيا والنمسا وألمانيا تشجع ثوار البوسنة والهرسك؛ أصغت لإرشادات المهيجين، وقامت مستعدة لمحاربة تركيا والانتقام من الإسلام باسم الصليب، ولما أرادت الروسيا أن تعجل بالحرب وبإسقاط المصائب على تركيا دعت النمسا وألمانيا للاشتراك معها في تقديم إنذار جديد للباب العالي، فأجابت النمسا وألمانيا طلبها، واجتمع البرنس «غورتشاكوف» عن الروسيا والكونت «أندراشي» عن النمسا مع البرنس «بسمارك» في برلين، وتم اتفاقهم في 11 مايو سنة 1876 على إنذار ترسله دولهم إلى الباب العالي.
ولم تطلب الدول الثلاث من الباب العالي ما طلبته في مذكرة «أندراشي» التي أرسلت في 30 يناير عام 1876 بل طلبت جل ما أراد ثوار البوسنة والهرسك، فاشتملت مذكراتها على الطلبات الآتية:
أولا:
أن يصلح الباب العالي المنازل التي دمرت بسبب الثورة، وأن يقدم كل ما يلزم للفلاحين من الثيران والآلات، وأن يعفي أهالي البوسنة والهرسك من الضرائب مدة ثلاث سنوات.
ثانيا:
أن يعين الباب العالي لجنة من أعيان أهالي البوسنة والهرسك المسيحيين؛ لتوزيع المساعدات المادية التي يقدمها.
ثالثا:
أن يسحب العساكر التركية من بلاد البوسنة والهرسك، وألا يتركها تحتل غير عشر قلاع معينة.
رابعا:
أن يترك المسيحيين مسلحين لغاية إتمام الإصلاحات، وإعادة الأمن والسكينة إلى بلاد البوسنة والهرسك .
خامسا:
أن يكون لقناصل الدول أو لمندوبيها الحق في مراقبة تنفيذ هذه الطلبات، وطلبت الدول الثلاث غير هذه الطلبات أن تمنح تركيا للثوار هدنة شهرين، وهددتها بأنها إن لم تنفذ هذه الطلبات مدة الشهرين اتخذت معها طرق القوة والقهر.
وقد قبلت فرنسا وإيطاليا التوقيع على هذه المذكرة، أما إنكلترا فرفضت التوقيع عليها بالمرة.
ولا شك أن المطالع لهذه الشروط يقف مندهشا مستغربا من معاملة دول أوروبا للدولة العلية، واعتدائها عليها بأشنع الصور وأقبحها، ويدرك من نفسه أن هذه الشروط لو كان يطلب تنفيذها من أحقر دول الأرض لكانت رفضت قبولها، ولو أدى رفضها إلى دمارها وخرابها؛ فموت فيه شرف خير من حياة تلطخ بالعار؛ ولذلك كان يستحيل على الدولة العلية أن تقبل هذه الشروط ولو لحظة واحدة؛ فإن طلب الدولة بقاء الجنود العثمانية في جهات مخصوصة وقلاع معينة، مع بقاء المسيحيين مسلحين هو تشجيع للثوار عظيم، وطلب الدول إعطاء الحكومة العثمانية للمسيحيين كل ما يحتاجون إليه من المساعدات المادية، وإصلاح المنازل التي دمرت بسبب الثورة هو طلب لا تستطيع ميزانية تركيا أن تقوم به، وتهديد الدول للدولة باتخاذ طرق القوة والقهر معها إن لم تنفذ طلباتها هو تشجيع لكل أمم البلقان على الثورة ضد الدولة العلية.
ومن سوء حظ الدولة أن أسقط عن عرش السلطنة العثمانية في هذا الوقت الممتلئ بالاضطرابات والأخطار المرحوم السلطان «عبد العزيز خان»، وأجلس مكانه السلطان «مراد الخامس» الذي لم يحكم إلا خمسة أشهر. •••
وبديهي أن الروسيا كانت ترمي إلى إضعاف تركيا بالثورات والاضطرابات والحرب مع أمم البلقان، حتى إذا ثبطت عزيمتها وقلت همتها تحولت ضدها برجالها وقوتها. وهي سياسة لا يمكن لمؤرخ عادل أن يقول إنها سياسة شريفة؛ لأن الروسيا كان يجب عليها أن تحارب تركيا من بادئ الأمر لا أن تهيج ضدها البوسنة والهرسك وصربيا والجبل الأسود وبلغاريا.