وعلى أي حال، فهذه الأزمة المشئومة يجب أن تكون درسا أبديا للعثمانيين والمصريين، بل ولسائر المسلمين؛ فإن هذا الخلاف القديم كان سببا لمصائب جمة تساقطت على مصر وعلى الدولة العلية، وفي أغلب الملمات التي نزلت بالدولة أو بمصر يرى الإنسان أثرا من آثار ذلك الشقاق المنحوس.
وقد يعمل بعض المفسدين على إحياء الضغائن في صدور رجال الدولة العلية بإيهامهم أن مصر طامحة الآن وفي كل آن إلى ما طمح إليه مؤسس العائلة الخديوية ، وهي دسيسة لا يقصد بها إلا الإضرار بمصالح الدولة وبمصالح مصر.
فإذا كان الخلاف القديم قد جر على الدولة وعلى مصر المصائب والبلايا، فواجب على بني الدولة وبني مصر أن يعتبروا به، وأن يجعلوا الوفاق والاتفاق رائدهم في كل أعمالهم؛ فمصر من الدولة روحها ومن الخلافة فؤادها، ولا حياة لهذا الجسم العظيم إلا بالاتفاق بين أعضائه في العمل.
وإذا كانت دول أوروبا تتحد وتتفق مع قوتها وعظمتها عندما يهم المسيحية أمر، فكيف لا نتحد معاشر المسلمين وبلادنا واقعة في أشد البلاء، والأخطار محدقة بها من كل جانب، وأعداؤها يكيدون لها أعظم كيد كلما سنحت لهم الفرص؟!
لا سلامة للدولة العلية ولمصر إلا بالوفاق والاتحاد، وقد أدرك هذه الحقيقة المصريون عن بكرة أبيهم مقتدين بالعباس أميرهم المحبوب، فتقربوا من الدولة العلية، وجاهروا بمحبتها في السراء والضراء، واعترف العالم كله بأن أهل مصر أصدق المخلصين للدولة العلية وللعرش الشاهاني؛ إذ ثبت ذلك بأجلى بيان في الحرب الأخيرة، ولا ريب عندي أن أمة مصر العزيزة ثابتة في أميالها لا تتحول أبد الدهر عن إخلاصها للدولة العلية حماها الله.
وإنه ليجب على كل مصري صادق وعلى كل عثماني يخلص الحب لبلاده أن يحبط أعمال الذين يبثون الدسائس بين مصر والدولة العلية، ويلقون بذور الشقاق بين جلالة الخليفة الأعظم وسمو الخديوي الأفخم، فإن أولئك العاملين على خلق الشحناء والبغضاء بين المتبوع والتابع لأشد خصوم الدولة، وألد أعدائها.
كتاب من «محمد علي» أمير مصر إلى «لويس فيليب» ملك فرنسا
نأتي هنا على ترجمة كتاب أرسله عزيز مصر إلى ملك فرنسا بشأن حوادث الشام ومسألة الخلاف بينه وبين الدولة العلية، وكنا قد نشرناه في جريدة المؤيد الغراء عقب خطبة ألقيناها بالإسكندرية، وأشرنا فيها إليه.
ومن هذا الكتاب يعرف القارئ حقيقة أفكار المرحوم «محمد علي باشا» وأمياله وقت الأزمة السالفة الذكر.
القاهرة في 16 رمضان سنة 1256 هجرية، نوفمبر سنة 1840
أيها الملك العظيم، إني أشعر بالحاجة لإظهار شكري لجلالتكم، ذلك الشكر الذي يجيش في صدري.
فلقد ألقت نحوي حكومة جلالة الملك من أمد بعيد أنظار رعايتها، واليوم تتوج جلالتكم مآثرها علي بإعلانها للدول أن وجودي السياسي ضروري للموازنة الأوروبية.
وإن هذه العواطف الجديدة من شأنها أن تحدد لي واجبات أعرف القيام بها، وأول هذه الواجبات هو أن أوضح لملك فرنسا بكل صراحة أسباب سلوكي الحالي واحدا بعد آخر.
لقد كانت في سائر الأزمان سعادة الدولة العثمانية أصدق أمنية أتمناها من صميم فؤادي؛ حيث أنا أود أن أراها دائما سعيدة قوية آمنة، وكانت قصارى آمالي ومرامي أنظاري موجهة نحو مساعدتها على أعدائها أولا، والمحافظة على كل ما ملكته يدي بعد المجاهدات العظيمة في سبيل الدفاع عنها ثانيا.
أما الذي حببني نحو فرنسا - وأقول ذلك بكل صراحة - وحملني على اتباع نصائحها دائما، فهو ما تبينته من أنها أكثر الحكومات رغبة في خير الدولة العثمانية بلا خديعة ولا مواربة ولا شائبة قصد سيئ، وكذلك أرجو أن تعتقد جلالتكم أن حبي لبلادي هو الذي كان دائما الدافع لي والقائد لزمامي.
وعلى ذلك استطعت بعد المجاهدات العظيمة والأحوال المتناقضة تأييد الأمن في الشام، فحل فيها اليوم السلام محل الفوضى والاضطراب، وإذا كنت قد أظهرت عظيم رغبتي في بقاء هذه البلاد تحت حكومتي؛ فذلك لأني معتقد بأنها إذا نزعت من يدي عادت إليها المصائب التي استأصلت جراثيمها منها. ومن جهة أخرى، أرى أن الشام تصير إذا بقيت في يدي عنصر قوة أستطيع به وقتئذ مساعدة مولاي السلطان ودولتي العلية مساعدة فعلية حقيقية، ولكنها لما كانت في يد الدولة العلية - وذلك ما أتجاسر على القول به - كان الاضطراب والفوضى والحروب الأهلية مستحكمة فيها، وها قد تحققت اليوم شيئا مما كنت أخافه، فلقد ساعد النفوذ الأجنبي عناصر الشقاق والاضطراب حيث لم يكن يفلح أول الأمر مسعى الذين كانوا يهيجون الأمة، ولكن مساعي أولئك الذين كانوا يظنون أنهم يخدمون استقلال تركيا بإحداثهم الاضطراب في إحدى ولاياتها نجحت هذه المرة، لا في إثارة خواطر البلاد فقط، بل وفي إقامة الأمة ضد بعضها، فثارت بذلك الحروب الأهلية.