تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أقرت فرنسا مع الدول في لوندرة على اتفاقية البوغازات التي تضمنت قفل بوغاز الدردنيل والبوسفور لكل سفن الدول الحربية بلا استثناء.

وقبل أن تمضي الدول على هذه الاتفاقية أصدر الباب العالي، متبعا في ذلك نصيحة السفير الإنجليزي «بونسونبي» خطا شريفا أعلن فيه أن حكومة مصر تبقى وراثية لعائلة «محمد علي باشا» ولكن الدولة تحتم انتخاب من تشاء من أعضاء العائلة لإمارة مصر عند وفاة أميرها الحاكم، وألا تجند مصر أكثر من ثمانية عشر ألف عسكري، وأن تؤخذ الضرائب بنفس الطريقة التي تؤخذ بها في تركيا، وأن يرسل للدولة منها الربع، فرفض عزيز مصر هذه القيود كما رفضتها فرنسا، وعاد الهياج والاضطراب في فرنسا إلى ما كانت عليه. فاهتم «مترنيخ» وزير النمسا الأول بالأمر، وسعى في عزل الصدر الأعظم «رشيد باشا» الذي كان يعمل بنصائح السفير الإنكليزي، فعزلته الدولة وعينت مكانه «رفعت باشا» وأصدرت إرادة جديدة بتعيين «محمد علي باشا» واليا على مصر، وجعل إمارة مصر لأبنائه من بعده الأرشد فالأرشد، وبأن يتفق بعد بين مصر والباب العالي على مبلغ ترسله مصر سنويا للدولة العلية.

فقبل المرحوم «محمد علي باشا» هذه الشروط في 10 مايو سنة 1841، ولم يعد لإنكلترا وسفيرها بالآستانة حجة لخلق المشاكل ومد أجل الشقاق، وبذلك أمضت الدول كلها في لوندرة بتاريخ 13 يوليو من السنة نفسها على اتفاقيتين: الأولى معلنة قفل باب المسألة المصرية حين ذاك. والثانية: متعلقة بقفل بوغازي الدردنيل والبوسفور أمام سفن الدول الحربية.

وبذلك انتهت هذه الأزمة المشئومة. •••

لا ريب أن المرحوم «محمد علي باشا» كان يعمل لتوسيع نطاق ملكه، وكان مولعا بأن يتولى إمارة مصر والشام؛ لتتم له الكلمة في الشرق وفي البحر الأبيض المتوسط، وكأنه رأى ما رآه قبله نابليون من أن صاحب مصر لا يهنأ له عيش ولا تكمل له سعادة بغير الشام، وكذلك صاحب الشام لا تؤيد إمارته ولا تقوى سلطته إلا باستلامه زمام أمور مصر، فطمح لذلك مؤسس العائلة الخديوية لجعل الشام تحت حكمه، وانتهز فرصة رفض والي «عكا» قبول طلبه بإرجاع المصريين المهاجرين من مصر إلى وطنهم؛ لفتح الشام وتحقيق أمانيه، ومما سهل له ذلك علمه بارتباك أحوال الدولة عندئذ، واشتغال المرحوم السلطان «محمود الثاني» بتنظيم جيش جديد.

وقد ذهب بعض المؤرخين إلى أن «محمد علي باشا» كان يؤمل القبض على زمام الخلافة الإسلامية والسلطنة العثمانية والجلوس على أريكة ملك آل عثمان، ولكني لست ممن يرون هذا الرأي، بل ولا ممن يظنونه ظنا، فإن «محمد علي باشا» الذي وهبه الله من الذكاء النادر والفكر الحاد والنظر الصائب والبصيرة الصادقة ما جعله في نظر الكثيرين فوق «نابليون» رأيا وعملا أبعد من أن يؤمل مثل هذا الأمل المستحيل، وإن ذلك الذي سخرت له الرجال وذللت أمامه صعاب الأعمال كان يعلم أكثر من كل إنسان أن زوال المملكة العثمانية أمر لا يكون إلا إذا زال هذا الوجود، وأن دولة الروسيا القوية العظيمة لم تستطع بلوغ هذه الغاية، فكيف به وما كان إلا أمير مصر؟!

كلا، إني لست ممن يرون بأن مؤسس العائلة الخديوية الكريمة كان يؤمل أو يحلم أن يقبض على زمام الدولة العثمانية، ولكنه كان يريد أن يحكم الشام مع مصر، وها هي رسائله إلى «لويس فيليب» ملك فرنسا مدونة في المستندات الرسمية والتاريخية تثبت أن غاية أمانيه كانت الاستيلاء على الشام.

ولو كان يعلم عزيز مصر بالنتائج السيئة والعواقب الوخيمة التي تنشأ عن دخوله الشام، ووقوع الخلاف بينه وبين الدولة العلية؛ لكان ولا محالة عدل عن أمنيته وعمله، ولا جرم أن «محمد علي باشا» تندم طويلا على هذا الخلاف المشئوم، وتحسر على ما فرط منه.

وقد يذهب الإنسان عندما يقلب صحائف تاريخ هذه الأزمة المشئومة إلى أن هنالك أسرارا لم يكشفها لنا التاريخ دفعت بعزيز مصر ضد الدولة العلية، فإن المرحوم «محمد علي باشا» كان يعلم علم اليقين أن إنكلترا هي أول عدوة له ولمصر، وأنها لذلك تعاكسه بكل ما في وسعها، وكان لا يغيب عنه أن الروسيا لا يروق لها استيلاؤه على الشام وتأسيس دولة إسلامية جديدة يكون لها من القوة والحول ما تستطيع معه الدولة العلية يوما من الأيام أن تقهر الروسيا وتردها عن ديارها.

المسألة الشرقية · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الشرقيةص ٣٧