تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن دواعي المصلحة العمومية التي كانت ترغبني في المحافظة على الشام، وجعلها تحت حكومتي زالت اليوم بالمرة، ولم تبق هنالك إلا مصالحي الخصوصية ومصالح عائلتي، وإنني مستعد لحياطة هذه المصالح بكل ما يصل إليه جهدي في سبيل سلامة العالم، فأترك إذن الأمر للحكمة العالية، وأضع بين يدي ملك فرنسا حظي، فهو الذي يسوي كما تقتضيه رغبته الخلاف الحالي.

وإذا وافق ما أعرض على جلالتكم؛ فإنني أرضى من الشام بعكا؛ لأنها البلد التي قاومت بكل الوسائل مساعي التهييج التي عملت لإثارتها ضدي، وقد يجوز أن جلالتكم ترى من العدل أن تترك لي جزيرة «قنديه» التي صارت تحت سلطة حكومتي حسنة زاهية من عهد بعيد، ولكن إذا أرشدتكم حكمة جلالتكم العالية إلى أن زمن التساهل والتنازل قد فات، وأن المحافظة الشديدة واجبة، فإني مستعد للكفاح حتى آخر لحظة من حياتي أنا وسائر أولادي، وإن جيشي في الشام لا يزال عظيما، ودمشق وحلب وكل المدائن المهمة لا تزال تحت سلطتي، وجيشي الذي في الحجاز ها هو عائد نحو مصر، وقد وصل قسم منه إلى القاهرة، ويصل القسم الآخر قريبا، وبين يدي شيوخ ذوو نفوذ هم نازعون الآن إلى جبل لبنان متعهدين بأن يخضعوا لسلطتي الدروز والمارونيين، ولدي أربعون باخرة مستعدة للسفر لأول إشارة من جلالتكم.

وعليه فأؤمل أن أسباب مسعاي لا تبقى مجهولة بعد اليوم، حتى لا يظن إنسان ما أن الخوف صار قائدي الآن، فإن حياتي كلها براهين داحضة لمثل هذه الدعوى، ولو كان الخوف يقودني، لجاز أن أرى ضعيفا واهنا، ولكنت تنازلت منذ 15 يوما حيث كان وجودي مهددا بالأخطار، ولكن اليوم وقد أنقذ وجودي السياسي بإعلان فرنسا، فإنني لا أخاطر بشيء كبير إن طالت الحرب.

كلا، وليست القوة التي يعدونها ضدي هي التي ترهبني؛ بل إن الذي يرهبني هو أن أكون سببا لحرب عمومية، وأن أجر فرنسا التي أنا مدين لها كثيرا إلى حرب لا يكون لها داع غير فوائدي ومصالحي الشخصية.

ولهذا فإنني أعرض حقيقة الأمر على أنظار جلالتكم، واعترافي لكم بالجميل يجعل ذلك فرضا وواجبا علي، فضلا عن أني معجب وواثق بملك فرنسا، ذاك الإعجاب وهذه الثقة اللتين تحمل العالم كله عليهما حكمة جلالتكم وذكاؤكم العالي، وإنني بهما أضع حظي بين يديكم.

ومهما كان قرار الملك، فإني أقبله بشكر وامتنان ما دامت جلالتكم مشتركة في المعاهدة التي سيتفق عليها بين الدول العظيمة، والتي تقرر حظي ومستقبلي.

وأخيرا، مهما وقع ومهما كان الأمر، فإني أرجو الملك أن يسمح لي بأن أقول له: «إن اعترافي بالجميل نحوه ونحو فرنسا سيبقى في قلبي إلى الأبد، وإني أتركه إرثا لأبنائي وأبناء أبنائي من بعدي كواجب مقدس.»

ولقد كنت أود أنه كلف أحد ضباطي العظام المعول عليهم بحمل هذا الكتاب إلى أعتاب جلالتكم، ولكن الصعوبة وطول القورتنينه حملتاني على تكليف الكونت «والوسكي» بتوصيله إلى جلالتكم، ا.ه.

محمد علي (3) الأزمة الثالثة: حرب القرم

تبين للقارئ فيما سبق أن إنكلترا حلت محل الروسيا في النفوذ لدى الباب العالي، وصارت وحدها المسموعة الكلمة في الأزمة الأخيرة عند رجال الدولة، وأنها توصلت إلى إبطال معاهدة «خونكار أسكله سي» التي خولت للروسيا حق إرسال جيوشها إلى قلب الدولة العلية عند الحاجة، فاستاءت الروسيا لذلك، وعقدت النية على الانتقام من الدولة العلية التي أحلت إنكلترا محلها، وقد كان المرحوم السلطان الغازي «عبد المجيد خان» عاملا على إصلاح أحوال الدولة، وتنظيم إدارتها، فأصدر فرمان الكلخانة الشهير الذي اشتمل على إصلاحات عديدة كانت تكفي لتقويم أحوال الدولة وتقويتها في ظرف قليل من السنين، فساء ذلك القيصر «نيقولا الأول» لأن سياسته كانت تقتضي تقهقر الدولة على الدوام، وعدم تمكنها من إصلاح شئونها، وتقويم المعوج في أحوالها؛ ولذلك أوعز إلى المسيحيين الأرثوذكس في الدولة بمعارضة «التنظيمات» والعمل على إيقاف تنفيذها، وبالرغم عما بذله الأرثوذكس من معارضة التنظيمات الجديدة، فإن الحكومة العثمانية التي كان على رأسها وقتئذ «رشيد باشا» ابتدأت في تنفيذها، واستبشر كل العثمانيين بقرب فلاحها تمام الفلاح، ونيل ثمارها. إلا أن ذلك كان من شأنه ازدياد حقد القيصر «نيقولا الأول» على الدولة العلية، فأمر بإجراء التجهيزات الحربية اللازمة، واستعد لمحاربة الدولة مؤملا إضعافها وإيقافها في طريق الإصلاح.

المسألة الشرقية · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الشرقيةص ٣٩