تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلا أن سفير فرنسا في الآستانة كان يخاف سقوط نفوذ دولته في المملكة العثمانية بقدر ارتفاعه وازدياده في مصر، فعرض على الباب العالي أن يتوسط بينه وبين أمير مصر، وكتب إلى المرحوم «إبراهيم باشا» يرجوه باسم فرنسا ألا يتقدم في فتوحاته، وكتب إلى المرحوم «محمد علي باشا» يسأله أن يقبل الشروط التي أرسل بها إليه المرحوم السلطان «محمود الثاني» مع خليل باشا، وهذه الشروط كانت تنحصر في تنازل الدولة لعزيز مصر عن ولايات «عكا ونابلس وصيدا وبيت المقدس»، ولكن «محمد علي باشا» كان يريد الاستيلاء على الشام كلها، وكان قنصل فرنسا بمصر يشجعه على أمياله وأغراضه؛ فلذلك لم يقبل عزيز مصر الشروط السلطانية التي عرضها عليه خليل باشا، ولم يلق رجاء سفير فرنسا بالآستانة عنده قبولا؛ لأنه اعتبره مجاملة لتركيا وغير صادر عن تعليمات سياسية واردة من الحكومة الفرنساوية، وأمر ابنه المرحوم «إبراهيم باشا» بالتقدم في فتوحاته، فصدع بالأمر وتقدم إلى أن وصل مدينة «كوتاهيه».

فلما علم المرحوم السلطان «محمود الثاني» بذلك سأل الروسيا في آخر يناير سنة 1833 أن ترسل إليه بأسطولها فوعدته بذلك، وفي هذه الأثناء عاد «مورافييف» من الإسكندرية، وكان قد نجح في مأموريته لدى «محمد علي باشا» بعض النجاح، فأعلن الباب العالي أن أمير مصر وعده، وأصدر أمره لابنه بالوقوف عن التقدم في فتوحاته. فلما علمت الدول الأوروبية بذلك رأت أن مجيء الأسطول الروسي إلى مياه البوسفور صار غير لازم، فسألت الباب العالي أن يجعل وقوفه ببلاد القرم، ولكن الروسيا كان يهمها أن يظهر أسطولها في مياه الشرق، ويعلم المسلمون قبل المسيحيين أنها صارت الحامية للمملكة العثمانية والأمينة على مصالح دولة آل عثمان!

فجاء الأسطول الروسي إلى مياه البوسفور، وجعل مرساه أمام سراي السلطان، وبعد وصوله بأيام قليلة وصل جزء من الجيش الروسي إلى الآستانة وأقام بها، فهاجت لذلك إنكلترا والنمسا وفرنسا، وطلبت من الدولة العلية الإسراع بالاتفاق مع عزيز مصر، وإبعاد العساكر الروسية عن أراضي الدولة. فقبل المرحوم السلطان «محمود الثاني» طلب الدول الثلاث، وبعد مخابرات مختلفة أعلنت الدولة العلية في أوائل مايو سنة 1833 بخطين شريفين أنها عينت أمير مصر واليا على الشام وعلى ولاية «أطنه»، وقد سمي هذا الاتفاق الذي صدر به الخطان الشريفان باتفاق «كوتاهية» نسبة إلى المدينة التي كان محتلا لها «إبراهيم باشا» عند عقد هذا الاتفاق.

ولما صدر هذان الخطان الشريفان سألت الدول الأوروبية الدولة الروسية أن تسحب أسطولها من مياه البوسفور وجنودها من أراضي الدولة، فأجابت الطلب ولكنها لم تنفذه إلا بعد أن أمضت مع الدولة العلية على معاهدة «خورنكار أسكله سي» التي جعلت للروسيا في الدولة العلية نفوذا قويا وسلطة عظيمة.

ومضمون هذه المعاهدة: أن الدولة العلية تتحالف مع الروسيا تحالفا دفاعيا، وأن تتعهد كل واحدة منهما بمساعدة الأخرى في داخل بلادها أو في خارجها حسب الظروف، ولا شك أن ظاهر هذه المعاهدة لا يفيد شيئا غريبا، ولكن المتأمل يرى أن الدولة الروسية كانت غير واقعة وقتئذ تحت خطر، فكان من المستحيل أن ترسل الدولة العلية يوما ما جيشا تركيا لداخل البلاد الروسية، بخلافها فإنها كانت واقعة تحت خطر ظاهر، وكان احتمال دخول الجنود الروسية إلى قلب المملكة العثمانية حاصلا. ذلك فضلا عن أن الروسيا كان في استطاعتها أن تحدث في قلب الدولة من الاضطرابات ما تشاء لما كان لها فيها من الآلات القوية؛ أي إنه كان يمكنها أن ترسل بجنودها إلى داخل الدولة في أي وقت تريد.

والذي يثبت أن دخول الجيوش العثمانية إلى قلب المملكة الروسية كان مستحيلا حتى في حالة قيام الحرب بين الروسيا وبين إحدى الدول خلافا لظاهر معاهدة «خونكار أسكله سي» أن الروسيا اشترطت في آخر المعاهدة أن الدولة العلية غير ملزمة بإرسال مدد عسكري إليها في حالة وقوع الحرب بينها وبين إحدى الدول، بل يكفيها عوضا عن إرسال مدد عسكري أن تقفل بوغاز الدردنيل أمام أساطيل الدولة أو الدول المحاربة للروسيا.

المسألة الشرقية · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الشرقيةص ٣٣