ابتدأت هذه الأزمة بخلاف وقع بين عزيز مصر ووالي «عكا» بسبب مهاجرة بعض المصريين إلى الشام، حيث لم يرض والي «عكا» بأن يعيدهم إلى مصر طبقا لرغائب المرحوم «محمد علي باشا»، فأمر عزيز مصر ابنه المرحوم «إبراهيم باشا» بالسفر إلى بلاد الشام على رأس جيش جرار للانتقام من هذا الوالي، فسافر واستولى في 27 مايو سنة 1832 على «عكا» وبعد الاستيلاء عليها دخل هو وجيشه دمشق وحمص، وعبر جبال طوروس بعد معارك مختلفة بين الجيش المصري والجيش التركي.
وقد انتهت سنة 1832 بوصول المرحوم «إبراهيم باشا» إلى قلب آسيا الصغرى حيث وقعت بين عساكر مصر وعساكر الدولة واقعة «قونيه» الشهيرة التي انتهت بسقوط هذه المدينة في أيدي المرحوم «إبراهيم باشا»، وكان ذلك في 21 ديسمبر سنة 1832، وقد وقع في هذه الواقعة أسيرا في أيدي المصريين المرحوم «رشيد باشا» الذي كان يقود الجيش التركي أمام «إبراهيم باشا» والذي كان من قبل في بلاد اليونان مكلفا بقمع الثورة اليونانية.
ولا شك أن هذه الانتصارات المتوالية تدل من جهة على ما كان لمصر وقتئذ من القوة الهائلة، وتحمل الإنسان من جهة أخرى على التساؤل: كيف تقهقر الأتراك الأبطال في هذه المواقع؟! فالجواب على ذلك: أن المرحوم السلطان «محمود الثاني» كان قد ألغى طائفة الإنكشارية كما قدمنا، وكان مشتغلا بتنظيم جيش جديد عندما قام المرحوم «محمد علي باشا» بإحداث هذه الأزمة المشئومة، ولم يكن الجيش التركي الجديد مستعدا تمام الاستعداد للقتال.
وكان من نتيجة هذا الخلاف المشئوم بين مصر والدولة العلية أن المرحوم السلطاني «محمود الثاني» اضطر للاستنصار بالدول الأوروبية؛ فانتهزت الروسيا هذه الفرصة؛ لتقوية نفوذها في تركيا، وجعل سيطرتها عظيمة على الباب العالي، فأظهرت للدولة العلية استعدادها لمساعدتها ضد عزيز مصر، وأرسلت إلى الآستانة الكونت «مورافييف» أحد ضباط القيصر الخصوصيين مكلفا بتبليغ الباب العالي أن الحكومة الروسية تقدم إليه إذا أراد أسطولا قويا وجيشا عظيما؛ لنصرة الدولة ضد عزيز مصر، ومكلفا كذلك بالسفر إلى الإسكندرية لإقناع المرحوم «محمد علي باشا» بضرورة الاتفاق مع الدولة، والرجوع عن نواياه ومشروعاته ضدها.
وبالفعل ذهب «مورافييف» إلى الآستانة، فاستقبل رجال الدولة بلاغه بالرضى مع الحزن الشديد على هذه الحالة التي وصلوا إليها بسبب الشقاق المشئوم بين المتبوع الأعظم والتابع؛ أي بين خليفة الإسلام وأكبر أمرائه.
وقد سافر الكونت «مورافييف» من الآستانة إلى الإسكندرية في يناير عام 1833 بقصد إقناع عزيز مصر بوجوب حل المشكلة حلا سلميا.
هذه كانت سياسة الروسيا، وسيرى القارئ نتائجها السيئة على الدولة العثمانية. أما البروسيا فلم تتداخل في الأمر؛ بل تركت بقية الدول الأوروبية مشتغلة بالمسألة وانتظرت النتيجة، وقد ود بعض سواس النمسا أن تتداخل دولتهم في هذه الأزمة المهمة؛ لتحول دون أغراض الروسيا، ولكن القابضين على أمور المملكة النمساوية حينئذ رأوا أن الثورة تهدد دولتهم من كل جانب، وأنهم في حاجة شديدة لعضد الروسيا ومساعدتها، فالتزموا لهذا السبب الحياد، واختاروا سياسة مراقبة الحوادث والانتظار.
أما إنكلترا، فقد كانت أميالها من بادئ الأمر ضد أميال عزيز مصر، ولكنها كانت تخاف إضعاف نفوذها في تركيا بتقوية نفوذ الروسيا، فكانت تريد العمل ضد الروسيا ومساعدة تركيا في آن واحد، غير أن أيرلندا كانت في ذلك الحين قائمة بالثورة ضد بريطانيا رغبة في نيل حريتها واستقلالها، فبقيت لذلك إنكلترا مترددة في سياستها.
ولم يكن لعزيز مصر بين الدول الأوروبية دولة تريد نصرته في السر والجهر غير فرنسا، فإن الرأي العام فيها كان يحب «محمد علي باشا» حبا شديدا، وكانت أعمال عزيز مصر ومجهوداته في سبيل رفع شأن مصر وتمدينها معروفة في فرنسا، ومقدرة فيها حق قدرها، لا سيما وأن أغلب عمال عزيز مصر في تمدين مصر كانوا من الفرنساويين، وكان بين «لويس فيليب» ملك فرنسا وبين «محمد علي باشا» مودة شديدة وصداقة متينة.