وقد علمت فرنسا وإنكلترا بهذه المعاهدة، وعملت كلتاهما على إبطالها، ولكن مسعاهما لم ينجح، وتكدرت بذلك علائقهما مع الروسيا. •••
ولم يسر حكم هذا الاتفاق طويلا، فإن إنكلترا التي كان يسوءها استتباب السكينة والسلام في الشرق، والتي اقتضت سياستها في كل أطوار المسألة الشرقية إضعاف سلطة المسلمين، عملت على تحريض الدولة العلية على الأخذ بالثأر، والانتقام من عزيز مصر، وفضلا عن اهتمام إنكلترا بإضعاف السلطة الإسلامية في الآستانة ومصر، فإنه كان يروق لها أن تأخذ المركز الأول في النفوذ لدى الباب العالي، وتخفض من نفوذ الروسيا وسلطتها، فلذلك استمرت تحرض الدولة على الانتقام من «محمد علي باشا» ووجدت عند رجال الدولة آذانا صاغية؛ لأن قلوبهم كانت قد تغيرت من جهة مصر وأميرها، وتركت فيها حوادث الشام آلاما كبارا.
وقد نجحت إنكلترا في هذه السياسة، وعقدت مع الباب العالي اتفاقا تجاريا يخول لها كل ما للروسيا من الحقوق والامتيازات، وقابلت ثقة تركيا بها بأن استعدت لاحتلال «عدن» كأنها أرادت أن تعرف الحكومة العثمانية مقدار ثمن المودة الإنكليزية ...
ومع ذلك فقد اتبعت الدولة العلية آراء الإنكليز ونصائحهم، وسيرت جيشا جرارا إلى آسيا تحت قيادة «حافظ باشا»، فعبر هذا الجيش نهر الفرات في 21 أبريل سنة 1839. وفي 7 يونيو من السنة نفسها أعلنت الدولة العلية الحرب على جيوش مصر، وقد كان المرحوم «محمد علي باشا» علم من قبل باستعداد الدولة لمحاربته وإخراجه من الشام، فتأهب للقتال واستعد أكمل استعداد.
فلما علمت الدول الأوروبية باستعداد الدولة العلية للحرب اهتمت كلها بالمسألة، وأخذت إنكلترا تبذل الجهد في استمالة فرنسا إليها، والاتفاق معها على مساعدة تركيا ضد «محمد علي باشا» وإضعاف نفوذ الروسيا في الدولة العلية، ولكن فرنسا لم تقبل الاتفاق مع إنكلترا ضد عزيز مصر لما كان له عندها وعند الشعب الفرنساوي من الاحترام العظيم والكلمة العليا.
وقد قام وقتئذ الخطباء على منبر مجلس النواب الفرنساوي بإلقاء الخطب البليغة دفاعا عن أميال عزيز مصر وأغراضه السياسية، سائلين حكومتهم مساعدته ومنع كل عمل عدائي ضده، ولم يظهر الرأي العام الفرنساوي قوته وشدة تأثيره على حكومته في ظروف كثيرة مثل ما أظهر في مسألة الخلاف بين مصر والدولة العلية، فإنه كان منتصرا لعزيز مصر أشد الانتصار.
وقد أدى رفض فرنسا لطلب إنكلترا إلى اتفاق هذه الدولة مع الروسيا اتفاقا مبدئيا ضد عزيز مصر.
أما النمسا، فقد عرضت على الدول مشروع عقد مؤتمر بفيينا لحل المشكلة المصرية، فلم تقبل الروسيا هذا الطلب خوفا من تداخل الدول في شئون تركيا الداخلية، وإضعاف نفوذها بمثل هذا التداخل، ورفضت فرنسا كذلك طلب النمسا منعا لاتفاق الدول ضد «محمد علي باشا».
وبينما الدول مشتغلة بهذا الخلاف الخطير إذ انتشر خبر واقعة «نصيبين» أو «نزيب» التي انتصر فيها الجيش المصري بقيادة «إبراهيم باشا» على الجيش التركي في 24 يونيو سنة 1839، وبعد هذه الواقعة بأسبوع واحد توفي المرحوم السلطان «محمود الثاني» ولم تكن وصلته أخبار واقعة «نصيبين» لعدم وجود الأسلاك البرقية وقتئذ، وتولى بعده على الأريكة العثمانية ابنه السلطان الغازي «عبد المجيد خان».
وفي 4 يوليو من السنة نفسها، شرع أحمد باشا القبودان الأول للأسطول العثماني في تسليم هذا الأسطول لعزيز مصر، وسبب ذلك أنه كان يبغض خسرو باشا الصدر الأعظم بغضا شديدا ويميل كثيرا إلى عزيز مصر. فلما علمت الدول الأوروبية بهذا النبأ الغريب، أرسلت مذكرة إلى الباب العالي بتاريخ 27 يوليو سنة 1839 تفيده أنها متفقة كلها على مساعدته في هذه الأزمة ودفع الخطر عن المملكة العثمانية، وقد اشتركت فرنسا مع بقية الدول في إرسال هذه المذكرة، ولم يكن قصدها بذلك الاشتراك معها ضد «محمد علي باشا»، بل منع اتفاقها ضده اتفاقا حربيا.