تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كتب المؤرخ الإنكليزي «فنلي» في كتابه «تاريخ اليونان» عن خطة «رشيد باشا» ودخوله أتينا ما تعريبه:

لقد اكتسب «رشيد باشا» في سقوط أتينا بخطته التي جرى عليها شرفا أبديا، وظهر فوق السير «روبرشرش» شهامة في الحرب ورأيا في السلم، ولم يترك العثمانيون وسيلة من وسائل الاحتراس إلا أتوها، ولم ينتقموا أقل الانتقام من اليونانيين.

وقد توفي في أول ديسمبر عام 1825 القيصر إسكندر الأول، وتولى بعده «نيقولا الأول»، وما جلس هذا القيصر على أريكة الملك حتى أعلن عداءه لتركيا، وأرسل للحكومة العثمانية بتاريخ 17 مارس سنة 1826 إنذارا يطلب منها فيه جملة طلبات مختصة بالأفلاق والبغدان وبلاد الصرب، وترك لها مهلة ستة أسابيع لقبول طلباته، وأنذرها بأنها إن لم تقبل هذه الطلبات انقطعت العلائق السياسية بين الدولتين، واشتعلت نيران الحرب.

فانتهزت إنكلترا هذه الفرصة للتقرب من الروسيا، وأرسلت في بادئ الأمر إلى بلاد اليونان ثم إلى الآستانة سفيرا يعرض توسط إنكلترا بين الدولة العلية واليونان، فرفضت الدولة طلبه بعد أن قبله اليونانيون الذين كانوا في أسوأ الحالات بفضل «إبراهيم باشا» بطل مصر وابن عزيزها، فاغتاظت إنكلترا من الدولة، وعملت على الإضرار بمصالحها والانتقام منها، وأرسلت «والنجتون» الشهير - بطل واترلو التي هزم فيها نابليون - إلى سان بطرسبورغ؛ ليتفق مع القيصر على المسألة اليونانية ضد الدولة العلية، وبالفعل اتفق معه، وأمضى بينهما اتفاق يتضمن أن الروسيا تقبل توسط إنكلترا بين الدولة العلية واليونان، وأن بلاد اليونان تصير مستقلة استقلالا نوعيا، وأنها تختار بنفسها حاكما عليها.

ومن الغريب أن إنكلترا لما لم تفلح في أمر التوسط بين الدولة العلية واليونان أرادت أن تتوسط بالقوة والقهر، وبالرغم عن الدولة العلية نفسها مستعينة في ذلك بالروسيا، وهكذا كانت إنكلترا تفهم معنى صداقتها لتركيا ومعنى إخلاصها لملك آل عثمان.

ولما رأى المرحوم السلطان «محمود الثاني» أن إنكلترا والروسيا متفقتان ضده، اضطر إلى قبول مطالب الروسيا منتظرا الفرص المناسبة، وأرسل مندوبين من قبله للمخابرة مع مندوبي الروسيا في أمر عقد معاهدة بين الدولتين، وقد اجتمع المندوبون في «آق كرمان» ووضعوا بها في سبتمبر عام 1826 عهدة سميت باسم هذه المدينة، تضمنت أن يكون للروسيا حق الملاحة في البحر الأسود، والمرور من البوغازين بدون أن تفتش الدولة سفنها، وأن تكون بلاد الصرب مستقلة تقريبا ، وتضمنت كذلك بعض شروط مختلفة بامتيازات الأفلاق والبغدان.

ويقول بعض المؤرخين: إن الذي حمل تركيا على قبول هذه المعاهدة غير اتفاق إنكلترا والروسيا ضدها؛ هو تعهد الروسيا صريحا للحكومة العثمانية بعدم التداخل في صالح اليونان.

وقد اجتهدت إنكلترا بعد عقد هذه المعاهدة في استمالة فرنسا لها وللروسيا، وتوصلت إلى عقد اتفاق بينها وبين الدولتين؛ لمساعدة اليونان ضد تركيا، أمضى عليه في لوندرة بتاريخ 6 يوليو سنة 1827. •••

وقد كان هذا الاتفاق أساسا لواقعة «ناورين» الشهيرة، فإن الدول الثلاث لما رأت أن «إبراهيم باشا» فاز في المورة وانتصر نصرا مبينا، وأخضع اليونانيين كافة، وأن الثورة قاربت الانتهاء وأخذ لهيبها في الانطفاء، أمرت كل واحدة منها أميرال أسطولها بأن ينذر «إبراهيم باشا» بالوقوف عن كل عمل عدائي ضد اليونانيين، وبالعودة إلى الإسكندرية مع رجاله وأسطوله؛ فرفض «إبراهيم باشا» هذا الطلب أو هذا الإنذار قائلا لكل أميرال إنه لا يتبع غير أوامر أبيه وأوامر الدولة العلية، ولكنه لما رأى من قواد الأساطيل الأوروبية استعدادهم لإشهار الحرب لأسطوله وعدهم برفع بلاغهم إلى الآستانة وإلى والده الجليل، واتفق معهم على هدنة وقتية لحين ورود أوامر الدولة وأوامر أبيه.

المسألة الشرقية · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الشرقيةص ٢٨