تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن قواد الأساطيل لم يعملوا باتفاقهم مع «إبراهيم باشا» بل أخذوا يراقبون حركاته وسكناته، ويشجعون - خلافا لشروط الهدنة - كل ضابط يوناني أو أوروبي في خدمة اليونان على مهاجمة المدائن والمواقع التي وقعت في قبضة «إبراهيم باشا» وجنوده، فشجعوا اللورد كوشران على مهاجمة قلعة «فازيلادي» كما شجعوا غيره من الضباط، وقد احتج «إبراهيم باشا» على هذه الأعمال، ولما رأى أن احتجاجه لدى قواد الأساطيل الأوروبية لم يفد شيئا، وتحقق من تشجيعهم اللورد كوشران على مهاجمة مدينة «باتراس» خرج من ميناء «ناورين» مع بعض مراكبه لإنقاذ تلك المدينة التي كان بها فوق الألف مصري، ولكن الأسطول الإنكليزي أنذر «إبراهيم باشا» بالعودة إلى «ناورين»، فعاد هو وأسطوله احتراما للهدنة التي كان يذكره بها قواد الأساطيل الأوروبية، وكانوا لا يذكرون بها أنفسهم.

وجرى عندئذ أن «إبراهيم باشا» نزل إلى البر، وتوغل في المورة ، فانتهز قواد الأساطيل الدولية فرصة غيابه عن الأساطيل المصرية العثمانية، وأجمعوا على تدميرها؛ فأصدر الأميرال «كودرنجتون» الإنكليزي - الذي كانت له القيادة العامة على الأساطيل الفرنساوية والروسية والإنكليزية - أمره باستعداد السفن الدولية، وعين لكل سفينة مكانها، وألقى التعليمات اللازمة لكل ضابط يقود مركبا، وفي يوم 20 أكتوبر سنة 1827 ادعى الأميرال «كودرنجتون» أن مركبا من المراكب المصرية قتل أحد بحارته إنكليزيا من سفينة إنكليزية، وجعل هذه الجريمة المختلقة سببا لتدمير المراكب المصرية والتركية، فسلط عليها الأساطيل المتحدة الدولية حتى دمرتها عن آخرها، وزالت هذه الأساطيل الفخمة في يوم واحد، حيث كان قومندانها الأول وأميرها الأعظم «إبراهيم باشا» متغيبا عنها، ظانا أن قواد الأساطيل الأوروبية يحترمون كلامهم وعهودهم!

ويقدر المؤرخون عدد الذين ماتوا من بحارة مصر في هذه المذبحة الشهيرة بستة آلاف بحري، وقد عد أنصار اليونان مذبحة «ناورين» بواقعة المجد والفخار. أما أنصار الحقيقة فقد قضوا عليها شر قضاء، ووجهوا الملام أشد الملام إلى حكومات فرنسا والروسيا وإنكلترا التي قامت باسم المدنية بأمر ليس فيه إلا العار والشنار، وقد قال إمبراطور النمسا وقتئذ عن حادثة «ناورين» بأنها «مذبحة»! ونعم التسمية، وقال عنها جورج الرابع نفسه ملك إنكلترا: «إنها حادثة مشئومة.»

وقد تهيج الأحرار في إنكلترا ضد الأميرال «كودرنجتون» واعتبروا عمله وحشيا لا شرف فيه ولا فخار، فاضطرت الحكومة الإنكليزية لأن تعلن عدم موافقتها على عمل «كودرنجتون» ولكنها لم تعلن عدم موافقتها على هذا العمل الفظيع الوحشي إلا بعد حدوثه ... ويتضح من المستندات الرسمية التي لا تزال باقية في وزارة البحرية الفرنساوية، والتي أتى على بعضها المسيو «ألفريد لميتر» في كتابه عن استقلال اليونان أن حكومات فرنسا والروسيا وإنكلترا كانت متفقة من قبل على كل ما أتاه قواد أساطيلها، وقد قال الأميرال «كودرنجتون» لما علم بعدم موافقة حكومته على مذبحة «ناورين»: «إن الوزراء يضحونني ليحفظوا مراكزهم.»

أما «إبراهيم باشا» فقد عاد بعد المذبحة، ولا يسألن القارئ عن تحسره الشديد على أسطوله العظيم الذي تركه زاهيا قويا، وعاد فوجده أثرا بعد عين، وعن عظيم اندهاشه من هذا العمل الفظيع الذي قام به دعاة المدنية وأنصار الحرية والإنسانية، وقد احتج «إبراهيم باشا» أشد الاحتجاج على هذا العمل الوحشي، وزاد احتجاجه واندهاشه عندما علم بالمطاعن السافلة التي كان يوجهها إليه الأميرال «كودرنجتون»، وبأن هذا الإنكليزي الذي دمر الأساطيل المصرية والتركية بأسفل الطرق وأدنى الوسائل ادعى أنه - أي إبراهيم باشا - هو الخائن للعهد الناكث لشروط الهدنة، وأنه المسبب لواقعة «ناورين».

المسألة الشرقية · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الشرقيةص ٢٩