وقد جاء عندئذ «مياوليس» بأسطوله، ووقف في خليج «باتراس» ولكن الأسطول المصري التركي هزمه شر هزيمة، وقضى بهذه الهزيمة على كل آمال اليونانيين.
وقد أراد اليونانيون المقيمون بميسولونجي الهجوم على الجيش المصري التركي في مساء 22 أبريل سنة 1826 ولكن «إبراهيم باشا» وجنوده تنبهوا للأمر، وأطلقوا الرصاص عليهم؛ فحصل بين اليونانيين فزع شديد، وولوا الأدبار، وفي فجر يوم 23 أبريل من السنة نفسها أي في اليوم التالي سقطت مدينة «ميسولونجي» في أيدي الجنود العثمانية.
وفي شهر يونيو سنة 1827 استولى الجيش العثماني على مدينة «أتينا» عاصمة اليونان الحالية، وقد أعجب كل منصف محب للإنسانية بالخطة التي جرى عليها العثمانيون في دخولهم أتينا؛ حيث عاملوا أهلها بالرفق، ولم يقتلوا ولم يهينوا أحدا ما، بخلاف ما عمله اليونانيون مع المسلمين عند استيلائهم في أول الثورة اليونانية على المدائن والقرى.
وتفصيل أخذ أتينا بالعثمانيين أن اليونانيين استدعوا إليهم اللورد «كوشران» والسير «روبرشرش» الإنكليزيين؛ ليقودا جيوشهم وعصاباتهم، فأجابا الطلب، وسافرا إلى اليونان، وتوليا رئاسة الجيش اليوناني المحاصر في أتينا.
وقد أبدى الجيش العثماني بقيادة «رشيد باشا» في محاصرة أتينا من المهارة والشهامة ما أبقى له ذكرا عاطرا في التاريخ، فقد جمع هذا القائد العثماني الجليل بين منتهى الشهامة العثمانية ومنتهى الإنسانية التي أمر بها الشرع الشريف.
وإن انتصار جيش «رشيد باشا» على ثوار اليونان في أتينا لمن الانتصارات المعدودة في تاريخ الحروب البشرية، فقد كاد السير «روبرشرش» نفسه يقع أسيرا في قبضة العثمانيين لولا أنه عند الهزيمة ألقى بنفسه إلى البحر حتى أدرك مركبا كانت بالقرب من الشاطئ.
ولما رأى القائدان الإنكليزيان أن لا مناص من التسليم وسقوط أتينا وقلاعها في أيدي العثمانيين، سألا قومندان مركب «جومون» الفرنساوية أن يتوسط بين اليونانيين والعثمانيين في أمر الصلح، فأجاب سؤلهما وكتب بذلك إلى «رشيد باشا»، فقبل القائد العثماني الشروط التي عرضها عليه المسيو «لوبلان» قومندان مركب «جومون» وهي: نزع السلاح من الجنود اليونانية، وترك الحرية المطلقة لكل من أراد السفر من أتينا، ومعاملة الذين يريدون البقاء فيها بالحسنى وعلى الخصوص الجرحى منهم. ولما علم السير «شرش» بقبول «رشيد باشا» لهذه الشروط فرح كثيرا، واندهش غاية الاندهاش من هذا الاعتدال العظيم الذي أظهره ظافر كبير كرشيد باشا.
ولكن ثوار اليونان أرادوا أن يظهروا شيئا من الشهامة التي كان يترنم بها أنصارهم في أوروبا، فرفضوا هذه الشروط وأبوا تسليم قلاع أتينا، ولو كان «رشيد باشا» رجلا وحشيا كما قال عنه ذلك كذبا أنصار اليونان في أوروبا لكان دخل أتينا جوابا على وقاحة ثوار اليونان وشهامتهم الكاذبة، وقضى عليهم وعلى جنودهم وضباطهم شر قضاء، ولكنه تأنى في الأمر، واستعمل الدعة التي جبل عليها رعاية للأبرياء من سكان أتينا.
إلا أن «رشيد باشا» أنذر السير «شرش» بأنه إذا لم تسلم أتينا وقلاعها للجيش العثماني في أقرب زمن هاجم المدينة، وكان حرا في عمله غير ملوم، فأرسل السير «شرش» بتاريخ 12 مايو سنة 1827 إعلانا لثوار أتينا وضباطها أمرهم فيه بوجوب التسليم، وأنذرهم بسوء العاقبة إن خالفوا أمره.
ولكن ثوار أتينا جروا على خطتهم الأولى، ورفضوا الامتثال لأوامر السير «شرش» أي لأوامر قائدهم ورئيسهم.
فلما رأى ذلك «رشيد باشا» كتب إلى المسيو «لوبلان» قومندان مركب «جومون» كتابا في غاية اللطف والرقة أظهر فيه أنه عمل كل ما في وسعه للمحافظة على أرواح الأبرياء اليونانيين القاطنين بأتينا، ولكن خطة ثوارهم تحمله على اتخاذ طريقة أخرى للاستيلاء على أتينا، وعندئذ أعلن السير «شرش» ثوار أتينا بأنه يتركهم وأنفسهم؛ لعدم امتثالهم لأوامره، فوقعوا في حيص بيص، وارتبكوا أشد الارتباك، وانتهزوا فرصة وجود مركب نمساوية في الميناء، فسألوا قومندانها التوسط بينهم وبين «رشيد باشا» في أمر تسليم المدينة وقلاعها بطريقة سلمية، فسلم هذا الضابط النمساوي طلبهم للمسيو «دي ريني» قومندان مركب «سيرين» الفرنساوية، فاستلم هذا الأخير الطلب، وأخذ يخابر «رشيد باشا» مدة ثلاثة أيام حتى قبل القائد العثماني دخول أتينا بالسلم وعدم سفك الدماء، وفي يوم 5 يونيو سنة 1827 أمضى زعماء الثورة اليونانية بأتينا على شروط تسليم المدينة، ورحلوا جميعا عنها بعد ذلك.